الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026
منذ ساعتين
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

الباحث في الشؤون السياسية علي الزبيدي ||

 

 

 

بعد ان تلقت العربية السعودية درسا قاسية من ابطال اليمن ولم تنفعه امريكا وال الكيان المحتل
فاستنجدت بالثلاث مصر وتركيا وباكستان
لعلها تحمي ماتبقى لها من اعتبار امام العالم
نتهى الاجتماع الرباعي في طهران بين تركيا وباكستان وإيران والسعودية.

‏لمن يتساءل عمّا حدث، فمن الواضح لي أن السعوديين ذهبوا إلى طهران حاملين عرضاً يتضمن تنازلات كبيرة للإيرانيين، مقابل التوسط لدى أنصار الله لوقف هجماتهم على السعودية، والحصول على ضمانات بإبقائها خارج نطاق الرد الإيراني في حال أقدمت الولايات المتحدة على قصف منشآت الطاقة الإيرانية.

‏ولكن إيران لن تقدم شيئاً ملموساً للسعودية إلا إذا تضمن العرض السعودي تنازلات استراتيجية حقيقية، تبدأ بسحب القواعد العسكرية الأمريكية من منطقة الخليج، وتنتهي ببناء تحالف أمني إقليمي تعترف فيه دول الخليج بسيادة إيران الكاملة على مضيق هرمز، وبحقها في نقض أي وجود عسكري أجنبي في الخليج.

‏باعتقادي، هذا الاجتماع عنوان لمرحلة جديدة في المنطقة، تتلخص باعتراف خليجي واضح بأن إيران أصبحت سيدتهم الجديدة، وأن عليهم التفاهم معها لضمان أمنهم واستمرار دولهم.

‏ولكن هنا تكمن المعضلة السعودية. فالسعوديون مطالبون بالتعقل والتفاهم مع إيران بما يضمن مصالحهم، بعيداً عن الأمريكيين، بينما هم في الحقيقة لا يمتلكون الاستقلال السياسي والعسكري الذي يسمح لهم باتخاذ مثل هذا القرار بحرية.

‏ولفهم هذه المعضلة، يكفي العودة إلى تاريخ الهند تحت الاستعمار البريطاني. فقد كانت هناك مئات الإمارات والممالك التي يحكمها الراجات والمهراجات والنواب، مثل حيدر آباد وكشمير. وكانت لهذه الممالك قصورها وحكامها وجيوشها وإداراتها الخاصة، وتبدو وكأنها دول مستقلة، بينما كانت بريطانيا تتحكم في علاقاتها الخارجية وتفرض عليها سيادتها العليا.

‏والأمر نفسه حدث في مصر بعد الاحتلال البريطاني عام 1882. فقد بقي الخديوي على عرشه، واستمرت الحكومة المصرية في ممارسة مهامها، ولكن القرار الحقيقي في القضايا الكبرى كان بيد البريطانيين.

‏وهكذا هي طبيعة العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة. فالاستقلال الشكلي ووجود الحكومات والجيوش والأعلام لا يعني بالضرورة امتلاك السيادة الحقيقية، خصوصاً عندما تكون الدولة عاجزة عن اتخاذ قراراتها الأمنية والعسكرية الكبرى بمعزل عن إرادة القوة الأجنبية التي تعتمد عليها لحمايتها.

‏وهنا مأزق السعودية تحديداً. فهي تريد التفاهم مع إيران لإنقاذ نفسها من حرب قد تدمر منشآتها النفطية واقتصادها، ولكن هذا التفاهم سيصطدم بالضرورة بالمصالح الأمريكية، لأن ما تريده إيران يتعارض جذرياً مع استمرار الهيمنة العسكرية الأمريكية على الخليج.

‏السعودية عالقة بين نارين: نار إيرانية قد تحرق منشآتها النفطية إذا استمرت في الارتهان للأمريكيين، ونار أمريكية قد تواجهها إذا قررت الخروج عن إرادة واشنطن والتفاهم مع طهران.

‏والمشكلة أن السعودية أمضت عقوداً تبني أمنها على الحماية الأمريكية، لتجد نفسها اليوم أمام تحول هذه الحماية إلى السبب الذي يعرض وجودها للخطر.
قلتها مراراً وتكرارا المتغطي بامريكا عريان نعم وبلا حماية منها .