الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026
منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

المحامي مجيد الكفائي ||

 

 

 

في تاريخ الأدب والفن طالما أُثير الجدل حول فلسفة “الفن للفن” في مقابل “الفن للحياة” حيث يرى الفريق الأول أن الجمال غاية بحد ذاته لا يحتاج لسبب أو رسالة بينما يرى الثاني أن الفن والأدب أدوات لإصلاح الإنسان والمجتمع.
ولكن حين ننتقل من ساحة الفكر والجمال إلى ميدان السلوك البشري والتاريخ نجد مدرسة مظلمة وغريبة: مدرسة ” الكره للكره”
إنها المدرسة التي ينفصل فيها البغض عن أي مبرر منطقي أو أخلاقي فيصبح الكره دافعاً بذاته مريضاً يستهدف النور لمجرد أنه يضيء عتمة الجاهلية.
وحين نطالع صفحات التاريخ نجد أن عظماء الإنسانية ومصلحيها لم يُحارَبوا لذنبٍ اقترفوه، بل كُرِهوا وقُتلوا لا لشيء إلا لكونهم تجسيداً للحق والعدل:
سقراط جُرّع السمّ لأنه أيقظ العقول.
الحلاج قُتل وصُلِب لأن اصحاب الظاهر ضاقوا من وجده
المسيح عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا (عليهما السلام) جابها صلف النفوس التي لم تطق طهارة الرسالة.
ولم تكن مسيرة أئمة أهل البيت “عليهم السلام” بمعزل عن هذه الفلسفة المظلمة فقد شُغل الإمام علي بن أبي طالب (ع) بحروب فرضها عليه كره الآخرين ورفضهم لعدالته المطلقة وتجلت هذه المدرسة في أوج بشاعتها في كربلاء مع الإمام الحسين (ع) واستمرت ونكل باهل البيت ودفن منهم في ظلم السجون والمطامير وتعرض البعض الى الابعاد والنفي والاقامة الجبرية والقتل بالسم كموسى بن جعفر الكاظم وعلي الهادي والحسن العسكري عليهم صلوات الله.
لقد كان الكره الموجه إليهم كره ذوات تحمل الحق من نفوس تعتاش على الباطل.
ومن العجب الذي نراه ونسمعه أن يزعُم إنسانٌ حبّ النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ثم يختزن في قلبه كرهًا أو بغضًا لآله وأهل بيته فالمنطق الفطري والإنساني يُكذّب هذا التناقض وكما جاء في المأثور عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): “إن المرء يُحفظ ويُكرم في ولده”.
فكيف يستقيم حب الرسول مع بغض بضعته وريحانته؟
إن رضا آل البيت هو امتداد لرضا النبي ورضا النبي امتداد لرضا الله تعالى.
لقد أرسى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في افعاله واقواله وحديثه قواعد المحبة والمودة لأهل بيته وجعلها الميزان والدليل على الإيمان ومن هذه الأحاديث المأثورة:
حديث الثقلين: قال رسول الله (ص): إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا.
وجاء في مكانة السيدة فاطمة (عليها السلام): قال (ص): فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي، وَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي.
وفي حب الحسن والحسين (عليهما السلام): قال (ص): الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، وقال فيهما أيضاً: «مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي.
وكذلك جاء في حب الإمام علي (عليه السلام) أن جعل النبيُّ (صلى الله عليه وآله) الإيمانَ كلَّه في حبه حيث قال لـعليٍّ: (لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ).
كما جاء في وجوب المودة عامةً قوله (ص): (أَحِبُّوا اللَّهَ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي).
إن مدرسة “الكره للكره” هي ظاهرة عارضة في السلوك البشري تنمّ عن مرض نفسي وأخلاقي يفرّغ الإنسان من قيمة المحبة والعدل.
بينما تقف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كمنار دائم للمحبة الصافية والتمسك بالحق؛ محبةٌ لا تنفصل فيها الفروع عن الأصول ولا يُجتزأ فيها الدين بل يبقى حبهم باباً لرضا الله ورسوله.