الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

اجتماعات طهران… هل تسعى دول المنطقة إلى امتلاك قرارها الأمني؟!

الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

محمد صادق الحسيني ||

 

 

لا يمكن فصل زيارة وفد «تحالف مكة» إلى طهران عن التحولات التي تفرضها احتمالات المواجهة العسكرية مع إيران على الحسابات الإقليمية. فالدول التي قد تتحمل التداعيات الأمنية والاقتصادية لأي حرب واسعة تجد نفسها أمام ضرورة التأثير في مسار التصعيد، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه. من هنا، يكتسب التحرك السعودي- التركي- الباكستاني بعداً يتجاوز الوساطة الدبلوماسية، ليطرح سؤالاً بشأن قدرة دول المنطقة على توسيع دورها في القرارات المرتبطة بأمنها.

ويحمل اجتماع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، مع المسؤولين الإيرانيين دلالات تتصل بطبيعة المرحلة. فالحضور الأمني والعسكري الرفيع يشير إلى اهتمام يتجاوز تبادل الرسائل السياسية نحو مناقشة المخاطر المباشرة لاحتمال اتساع المواجهة. كما أن اختيار طهران مكاناً للاجتماع يعكس أهمية التواصل مع الطرف الإيراني، من دون أن يعني تقارباً سياسياً شاملاً أو تجاوزاً للخلافات القائمة.

وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة فإن الدول الثلاث تنطلق من حسابات مختلفة تتقاطع عند أولوية الاستقرار. فالسعودية معنية بحماية أمنها ومصالحها الاقتصادية ومشاريعها التنموية، وتركيا تسعى إلى تجنب اضطرابات إضافية في محيطها الإقليمي، فيما تتيح علاقات باكستان مع الأطراف المعنية مساحة للمساهمة في جهود التهدئة. غير أن هذا التحرك، وفق المصادر، لا يعني إعادة النظر في الشراكات الاستراتيجية مع واشنطن، بقدر ما يعكس رغبة في أن يكون للدول الإقليمية دور أكبر في تحديد مسارات الأزمات التي تنعكس مباشرة على مصالحها.

وفي هذا السياق، يشكّل اليمن اختباراً أساسياً لأي تفاهم محتمل. فالعلاقات الإيرانية مع “أنصار الله”، وما يرتبط بها من مخاوف أمنية سعودية، تجعل معالجة هذا الملف جزءاً من أي نقاش جدي حول الاستقرار الإقليمي. وترى المصادر أن التهدئة المؤقتة لا تكفي إذا لم تترافق مع ضمانات أمنية وتسوية تعالج أسباب النزاع، بما يحفظ أمن السعودية وسيادة اليمن ويحدّ من احتمالات تجدد المواجهة.

لكن قدرة التحرك الإقليمي على تحقيق نتائج تبقى مرتبطة بعوامل تتجاوز أطراف الاجتماع. فالولايات المتحدة تحتفظ بخياراتها العسكرية تجاه إيران، فيما تتحرك إسرائيل وفق حساباتها الأمنية والسياسية، وتتمسك طهران بمواقفها حيال الضغوط المفروضة عليها. وهذا التباين، بحسب المصادر، يجعل الدبلوماسية الإقليمية قادرة على فتح مسارات للحوار، من دون أن يمنحها بالضرورة القدرة على التحكم بقرار التصعيد، خصوصاً مع تداخل الحسابات السياسية الداخلية في واشنطن و”تل أبيب” مع التطورات الميدانية.

وعليه، لا يمكن اعتبار اجتماع طهران بداية لتحالفات جديدة أو مؤشراً على نشوء نظام أمني مستقل عن القوى الدولية. لكنه يعكس محاولة لتوسيع هامش التأثير الإقليمي، عبر الجمع بين الشراكات القائمة والتواصل المباشر مع الأطراف المختلفة. وتبقى قيمة هذا المسار مرتبطة بقدرته على إنتاج تفاهمات جدية وعملية.

وبين حسابات القوى الدولية ومصالح الدول الإقليمية، يبقى الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت المنطقة ستنجح في المشاركة بصناعة أمنها، أم ستظل تتحمل كلفة قرارات تُتخذ خارج حدودها.