الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

من سقوط بيروت إلى التحرير… حين انكسرت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

حين سقطت بيروت تحت وطأة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لم تكن مدينة عربية تسقط فحسب، بل كانت مرحلة كاملة من التاريخ العربي تنكسر تحت أقدام الدبابات الإسرائيلية. كانت العاصمة محاصرة، والبحر شاهداً على خروج المقاتلين الفلسطينيين، فيما كانت إسرائيل تتقدم بقوة النار، وتتهيأ جبهة اليمين المتطرف اللبناني لقطف ثمار انتصار ظنت أنه سيعيد تشكيل لبنان والمنطقة وفق إرادتها.

في تلك اللحظة، بدا المشهد قاتماً. إسرائيل عند أبواب العاصمة، واليمين المتطرف يستعد لتثبيت معادلة سياسية جديدة، والعرب غارقون في انقساماتهم، والإنسان العربي الذي أنهكته الهزائم يسأل نفسه: هل كُتب لهذه الأمة أن تبقى أسيرة التفوق الإسرائيلي، وأن تتوارث أجيالها الخوف والعجز؟

لكن التاريخ لا يُكتب دائماً بأيدي المنتصرين في معركة، ولا تصنعه بالضرورة الجيوش التي تمتلك أحدث الأسلحة. ففي قلب الهزيمة، كانت تتشكل إرادة جديدة، وكان بين أنقاض الجنوب اللبناني جيل من الشباب يستعد لكتابة فصل مختلف، عنوانه أن الإيمان حين يقترن بالإرادة والتنظيم والتضحية يستطيع أن يغيّر موازين الصراع.

﴿نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.

لم تكن هذه الآية، في الوجدان الذي احتضن نشأة المقاومة الإسلامية، مجرد كلمات تُتلى، بل تعبيراً عن روح جيل رأى في العقيدة مصدر قوته، وفي الرسالة المحمدية بوصلته، وفي كربلاء الحسين، عليه السلام، مدرسة للثبات والفداء ورفض الاستسلام للظلم.

من هنا بدأت الحكاية، لا بوصفها ولادة تنظيم عسكري فحسب، بل بوصفها محاولة لاستعادة الإنسان الذي أرادت الهزائم المتراكمة إقناعه بأن التفوق الإسرائيلي قدر لا يُرد.

من فتية العقيدة إلى كابوس الاحتلال

في عام 1982، وُلد حزب الله في ظروف الاحتلال والاجتياح، مستنداً إلى بيئة شعبية دفعت أثماناً باهظة، وإلى دعم إيراني أسهم في بناء قدراته العسكرية والتنظيمية. وكانت المعركة في بداياتها غير متكافئة ظاهرياً: جيش إسرائيلي يمتلك التفوق الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي، في مواجهة مجموعات مقاومة محدودة الإمكانات، لكنها تمتلك حافزاً عقائدياً وسياسياً يدفعها إلى مواصلة القتال.

وجاءت عملية الشهيد أحمد قصير في 11 تشرين الثاني 1982، التي استهدفت مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، لتشكل إحدى المحطات المبكرة والأشد تأثيراً في تاريخ المقاومة. وقد أسفر التفجير عن مقتل عشرات العسكريين وأفراد الأجهزة الإسرائيلية، وتختلف التقديرات بشأن الحصيلة الدقيقة، فيما استقر في الذاكرة المقاومة باعتباره من أبرز الضربات التي تلقاها الاحتلال في سنواته الأولى.

لم تكن دلالة العملية في حجم الخسائر وحده، بل في الرسالة التي حملتها: لم تعد القوات الإسرائيلية محصنة داخل مقارها، ولم يعد التفوق العسكري ضمانة للأمن، ولم تعد المسافة بين الاحتلال والمقاومة حاجزاً يمنع وصول الأخيرة إلى مواقع اعتقدت إسرائيل أنها بمنأى عن الاستهداف.

وتوالت العمليات الاستشهادية، ثم تطورت أساليب المواجهة لتشمل مهاجمة المواقع العسكرية، وتنفيذ الكمائن، واستهداف الآليات وخطوط الإمداد، وملاحقة العملاء الذين اعتمد الاحتلال عليهم في إحكام قبضته على الجنوب.

لم تكن تلك العمليات منفصلة عن بيئتها. فقد ساهمت تضحيات أبناء الجنوب، ومعاناة القرى التي تعرضت للاجتياحات والقصف والاعتقالات، في تشكيل حاضنة شعبية رأت في المقاومة وسيلة لمواجهة الاحتلال واستعادة الأرض والكرامة.

وهكذا، أخذت صورة الجنوب تتغير. لم يعد أرضاً تتحرك فيها القوات الإسرائيلية مطمئنة إلى قدرتها على السيطرة، بل ساحة استنزاف تتزايد فيها الكلفة البشرية والنفسية والسياسية للاحتلال.

فيتنام إسرائيل التي لم تتوقعها

شيئاً فشيئاً، تحولت الأراضي اللبنانية المحتلة إلى عبء على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فكل دورية كانت معرضة لكمين، وكل طريق يحمل احتمال انفجار عبوة، وكل موقع عسكري يحتاج إلى حماية وإمداد، وكل جندي يخدم في الجنوب صار جزءاً من معركة لا يبدو أن لها نهاية قريبة.

ومن هنا اكتسبت تجربة المقاومة شبهاً بحروب الاستنزاف التي حوّلت مناطق احتلال إلى مستنقعات عسكرية، تستنزف القوة المهاجمة مهما بلغت إمكاناتها. ولم يكن المقصود أن لبنان نسخة مطابقة من فيتنام، بل أن إسرائيل وجدت نفسها أمام معضلة استراتيجية: كيف تحقق نصراً سياسياً دائماً بواسطة قوة عسكرية تستطيع السيطرة على الأرض، لكنها لا تستطيع إنهاء إرادة المقاومة؟

داخل المجتمع الإسرائيلي، أخذت الخسائر تثير أسئلة متزايدة حول جدوى البقاء في لبنان. وأصبحت سلامة الجنود، وكلفة الاحتلال، وضرورة الانسحاب من الجنوب موضوعاً عاماً وسياسياً متصاعداً. ومع اتساع الاعتراض على استمرار النزيف، تراجعت قدرة الحكومات الإسرائيلية على تسويق الاحتلال بوصفه ضمانة للأمن.

وكان هذا التحول مهماً لأنه نقل المواجهة من الميدان العسكري إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه؛ فالمقاومة لم تعد تستهدف القوات المنتشرة في الجنوب فقط، بل أخذت تؤثر في الحسابات السياسية التي تحدد استمرار الاحتلال أو إنهاءه.

استعادة الثقة… المعركة التي تجاوزت حدود لبنان

لكن التحول الأعمق لم يكن في عدد العمليات أو الخسائر وحدها، بل في الأثر الذي تركته المقاومة في الوعي العربي.

لسنوات طويلة، ترسخت في الذاكرة العربية صورة إسرائيل بوصفها قوة لا يمكن مواجهتها إلا بدفع أثمان هائلة، فيما بقيت هزيمة عام 1967 حاضرة في الوجدان، ومعها مشاهد الاجتياحات والاعتداءات المتكررة.

جاءت المقاومة لتقدم صورة أخرى: أبناء قرى الجنوب، بإمكانات أقل بكثير من إمكانات الجيش الإسرائيلي، يستطيعون مواصلة القتال وإجباره على دفع أثمان متصاعدة.

وبالنسبة إلى قطاعات واسعة من العرب والمسلمين، لم تعد المقاومة مجرد مواجهة محلية لتحرير أرض لبنانية، بل أصبحت تجربة أعادت طرح سؤال القدرة العربية على مقاومة التفوق الإسرائيلي. وفي هذا السياق، ارتبطت التجربة بقياداتها ومقاتليها، من جيل التأسيس إلى مرحلة السيد حسن نصر الله، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز الوجوه السياسية والعسكرية المرتبطة بهذا المسار.

في المقابل، بدأت إسرائيل تواجه أزمة في صورة الردع التي بنتها عبر عقود. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير الجسور والمباني، واحتلال القرى، وإيقاع خسائر كبيرة، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان خضوع مجتمع يرفض الاحتلال ويواصل مقاومته.

وهنا تكمن المفارقة: كلما أرادت إسرائيل تثبيت قدرتها على فرض الإرادة بالقوة، وجدت نفسها أمام تحدٍّ جديد يفرض عليها إعادة حساباتها.

أيار 2000… حين خرج الاحتلال

بلغ هذا المسار إحدى ذراه التاريخية في 25 أيار 2000، حين انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، من دون اتفاق سلام أو معاهدة تطبيع مع لبنان.

كان الانسحاب نتيجة تداخل عوامل متعددة، في مقدمتها استنزاف الجيش الإسرائيلي بفعل المقاومة، وتصاعد الاعتراض داخل إسرائيل على استمرار الاحتلال، والتحولات السياسية التي جعلت البقاء في لبنان مكلفاً وغير قابل للاستمرار بالصيغة السابقة.

ولم يكن الانسحاب مجرد حدث عسكري؛ فقد تحول إلى لحظة رمزية كبرى في الوجدان العربي، لأن جيشاً إسرائيلياً اضطر إلى إنهاء احتلاله تحت ضغط المقاومة، من دون أن يحصل على اتفاق سلام يضمن له مكاسب سياسية مقابلة.

لقد استعاد الجنوبيون أرضاً طال انتظارها، واستعاد كثير من العرب شيئاً من ثقتهم بقدرتهم على الفعل والتغيير. أما إسرائيل، فخرجت وهي تدرك أن التفوق في السلاح لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الشعوب.

ومع ذلك، لم تنتهِ الصراعات، ولم تصبح إسرائيل عاجزة عن إلحاق الدمار بلبنان، كما أثبتت الحروب اللاحقة. لكن ما انكسر في تلك المرحلة كان الاعتقاد بأن الاحتلال يستطيع البقاء إلى أجل غير مسمى من دون أن يدفع ثمناً يهدد استمراره.

وهنا تبدأ الحكاية الأوسع: لم تكن أخطر نتائج المقاومة بالنسبة إلى إسرائيل خسائر الجنود والآليات، على فداحتها، بل تصدع حاجز الخوف الذي أحاط قوتها في الوعي العربي.

ذلك الحاجز الذي استغرق بناؤه عقوداً، بدأت معاول المقاومة تهدمه، حجراً بعد حجر، حتى أصبح ممكناً تخيل ما كان كثيرون يعدّونه مستحيلاً.

لكن إسرائيل لم تكن لتقبل بسهولة أن تتحول تجربة لبنان إلى نموذج يلهم المنطقة، وأن تصبح هزيمة الاحتلال درساً تتناقله الأجيال.

ومن هنا، لم تكن نهاية الاحتلال عام 2000 نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة ستسعى فيها إسرائيل إلى استعادة الردع، فيما ستدخل المقاومة والمنطقة بأسرهما اختباراً أشد خطورة.

يتبع في الحلقة القادمة… حين قررت إسرائيل أن تستعيد بالحديد والنار ما خسرته أمام إرادة المقاومة.