الأحد - 25 اكتوبر 2026

خلفَ أقنعةِ القوّة تُكمن حَقيقة الإنسان..!

منذ 19 ثانية
الأحد - 25 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

ليس كلُّ من يبدو قوياً خالياً من الضعف، وليس كلُّ من يبتسم قد تَصالح مع الحياة، ففي أعماق كل إنسان مساحة لا يراها الآخرون، تختبئ فيها مخاوفه، وإنكساراته، وذكرياته، وأوجاعه التي لا يجيد البوح بها، قد يبدو الإنسان صلباً كالصخر، لا تهزّه المواقف ولا تكسره الخسائر، حتى تأتي لحظة يفقد فيها شخصاً عزيزاً، أو يتلقى صفعة من الحياة، فتنهار في داخله أشياء كثيرة لم يكن أحد يعلم بوجودها.

إنها عاصفة داخلية قد تخلخل أساسات روحه، وتغيّر نظرته إلى الحياة، بل قد تسلب المبدع قدرته على الإبداع، وتجعل الصامت أكثر صمتاً، والقوي أكثر حاجة إلى الإحتواء.

فالإنسان ليس آلة لا تتأثر، ولا حجراً لا يشعر، ومن الخطأ أن نعتقد أن إظهار القوة يعني غياب الألم، أو أن الصمت دليل على عدم الاكتراث، فبعض المعارك لا تُخاض في الميادين، وإنما في أعماق النفوس، حيث لا جمهور ولا تصفيق، ولا أحد يعرف حجم ما يتحمله الإنسان.

مهما إتسعت الحياة بالتأكيد تكون فيها فوارق بين البشر، تذكّرنا دائماً بحقيقة لا يستطيع أحد الإفلات منها، فالغني والفقير، وصاحب السلطة ومن لا يملك منها شيئاً، والقوي والضعيف، جميعهم عابرون في هذه الدنيا، وستحتضن الأرض أجسادهم يوماً، من دون أن تسألهم عن أموالهم أو مناصبهم أو ما فرضوه من هيبة على الآخرين.

فما قيمة الغرور أمام هذه الحقيقة؟ وما جدوى الظلم والعنجهية، إذا كان مصير الجسد إلى التراب، ولم يبقَ للإنسان إلا أثره، وما قدّمه من خير أو شر، وما تركه في قلوب الآخرين من رحمة أو وجع؟

إن عظمة الإنسان ليست في قدرته على إخضاع الآخرين، ولا في إرتفاع مكانته أو تضخم ثروته، وإنما في تواضعه حين يقدر، وعدله حين يحكم، ورحمته حين يستطيع أن يقسو، فالإيمان والتقوى لا ينسجمان مع الإستعلاء على الخلق، ولا مع الإعتقاد بأن المال أو القوة يمنحان صاحبهما حقاً فوق حقوق الآخرين.

ولعلّ في قصة خلق الإنسان ما يدعونا إلى التأمل في الحكمة الإلهية من وجودنا، فقد أخبرنا القرآن الكريم أن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، في سِياق الحديث عن جعل الإنسان خليفة في الأرض، إنها إشارة إلى حكمة تتجاوز ما تدركه النظرة السطحية، وإلى أن الإنسان مخلوق للإختبار، وأن قيمته لا تُختزل في مظهره أو قوته، بل فيما يختاره من طريق، وما يتحمله من مسؤولية.

لسنا مطالبين بأن نكون أقوياء طوال الوقت، ولا أن نخفي دموعنا كي نثبت للآخرين أننا لا ننكسر، فمن حق الإنسان أن يحزن، وأن يتعب، وأن يتوقف قليلاً ليستعيد توازنه، فالضعف العابر لا ينتقص من كرامته، والإنكسار لا يلغي قدرته على النهوض.

وفي نهاية المطاف، قد لا نستطيع أن نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعامل الآخرين، وكيف نواجه خسائرنا، وأي أثر نتركه خلفنا.

فكن قوياً من دون أن تتكبّر، ومقتدراً من دون أن تَظْلم، وغنياً من دون أن تنسى المُحتاج، ومؤمناً من دون أن تحكم على الناس من موقع الوصاية.

فالأرض التي ستحتضن أجسادنا جميعاً لا تميّز بين غني وفقير، لكن ما يميّز الإنسان عن أخيه الإنسان هو ما يتركه من رحمة وعدل وصدق في رحلة قصيرة أسمها الحياة.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع