ازدواجية العقيدة الأمنية المصرية بين الجبهتين الفلسطينية واليمنية..!
غيث العبيدي – كاتب عراقي مستقل.

▪️ المقدمة:
تهدف هذه الورقة إلى تحليل التحول الجوهري في العقيدة الأمنية المصرية، من خلال دراسة مقارنة لقرارين إستراتيجيين متناقضين وهما؛ سياسة الحياد السلبي والوساطة تجاه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وسياسة التدخل العسكري المباشر تجاه الصراع اليمني عبر إرسال قوات إلى المملكة العربية السعودية.
ولهذا فأن القرار العسكري المصري لم يعد محكوماً بتهديدات الأمن القومي المباشر، بل بإقتصاديات التبعية المالية والالتزامات التحالفية.
ولا يمكن تفسير قدرة الدولة المصرية على تفعيل المادة الخاصة بإرسال قوات خارج الحدود لمواجهة تهديد غير مباشر في اليمن، في حين تعطل نفس الآلية الدستورية والعسكرية أمام تهديد مباشر على الحدود الشرقية في غزة الأ بهذا الأتجاه.
▪️الأمن المصري المرتهن:
حين تتحول المؤسسة العسكرية من حامية للحدود الجغرافية إلى حامية لتدفق المساعدات والودائع الخارجية (حيث أن مصر تتلقى أكثر من 30 مليار دولار ودائع خليجية في البنك المركزي) فهذا يخلق حالة إرتهان إستراتيجي يجعل تعريف العدو والصديق خاضعاً لرؤية الممول لا لرؤية الأمن القومي.
▪️ محاور التحليل:
المحور الأول: الجبهة الغزاوية وإستراتيجية الإنكفاء.
1️⃣. عسكرياً، التزمت مصر بمعاهدة كامب ديفيد كإطار مقدس لا يمس، فتم تقييد إنتشار الجيش في سيناء، وتم حصر الدور المصري في دور الوسيط الإنساني، وليس الفاعل العسكري.
2️⃣. سياسياً، تم تحويل ملف غزة من ملف سيادي مصري إلى ملف تفاوضي تديره القاهرة بإذن إسرائيلي-أمريكي، عبر التحكم بمعبر رفح.
3️⃣. إستراتيجياً، تحييد القوة العسكرية الٱكبر عربياً عن الصراع المركزي (العربي ـ الأسرائيلي) وضمان عدم فتح جبهة إسناد حقيقية.
المحور الثاني: الجبهة اليمنية وإستراتيجية الإسقاط الخارجي.
أ. عسكرياً، وافق البرلمان المصري في تشرين الأول 2026 على تفويض إرسال قوات الرياض، وتم رصد طائرات شحن عسكرية مصرية في الأجواء السعودية، في إطار اتفاق دفاعي ثنائي يركز على حماية المنشآت الحيوية السعودية من ضربات أنصار الله.
ب. سياسياً، تم إعادة تعريف جماعة يمنية مسلحة تدافع عن بلدها وتقاتل على بعد 2000 كم كتهديد مباشر للأمن القومي المصري عبر بوابة باب المندب، بينما لا يعتبر الكيان الذي يقصف حدود مصر تهديداً مماثلاً.
ج. المفارقة، اليمن هو الطرف الوحيد في الإقليم الذي وظف قدراته الصاروخية والبحرية بشكل مباشر لإسناد غزة عبر إستهداف السفن المرتبطة بالأحتلال وإطلاق الصواريخ على تل أبيب، وبالتالي فإن ضرب اليمن عسكرياً يصب موضوعياً في خدمة تخفيف الضغط عن إسرائيل.
▪️ الإستنتاج الإستراتيجي:
إن السلوك المصري الحالي يعكس خللاً جوهرياً في ترتيب الأولويات، حيث تم إستبدال مفهوم “العمق الاستراتيجي” بمفهوم “العمق المالي”.
وتحويل الجيش من أداة ردع ضد العدو التاريخي إلى أداة تأمين للتحالفات الإقليمية.
والنتيجة النهائية هي خسارة مزدوجة للقاهرة، تمثلت بفقدان الشرعية الشعبية في الشارع العربي والإسلامي المتعاطف مع غزة، وفقدان الاستقلالية القرارية في الملف اليمني.
وعليه فإن إستعادة التوازن تتطلب فصل القرار العسكري عن الإلتزامات المالية، وإعادة تعريف الأمن القومي المصري ليبدأ من رفح لا من باب المندب، فمن لا يستطيع حماية جاره على حدوده، لن يستطيع حماية حليفه على بعد آلاف الكيلومترات.
▪️ الخاتمة:
إن ما يحدث بين غزة واليمن ليس مجرد تناقض في السياسة الخارجية المصرية، بل هو لحظة إنكشاف كاملة لعقيدة أمنية مأزومة، عقيدة تخلت عن الجغرافيا لصالح الشيك، وعن التاريخ لصالح التحالف المؤقت.
مصر التي كانت يوماً تقود الجيوش من القناة إلى الجولان دفاعاً عن فلسطين، أصبحت اليوم ترسل جنودها ليقاتلوا من يدافع عن فلسطين، وتجلس على حدود غزة تعد الشاحنات وتحصي الجثث وتتفاوض على عدد الأسرى، وكأنها موظف إغاثة لا دولة بحجم قارة.
وبكيف الله.




