من توازن القوى إلى تشابك المصالح: رؤية العراق للتحالفات في المنطقة..!
د. هيثم الخزعلي ||
٢٣-١٠-٢٠٢٦

يمكن فهم رؤية العراق لمستقبل المنطقة، وطبيعة التحالفات المستقبلية من خلال كلمة (رئيس جهاز الامن الوطني العراقي الدكتور باسم البدري ) ، في “منتدى الأمن العالمي بالدوحة” ،
والذي حضره ممثلي ١٠٠ دولة تحت شعار “مستقبل التحالفات.
حيث قدم رئيس الجهاز رؤية عراقية واقعية لمستقبل التحالفات، تتجاوز المقاربة التقليدية القائمة على القدرات العسكرية وحدها.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها صادرة عن مؤسسة أمنية سيادية ، ما يجعلها تعبيراً عن توجه استراتيجي وليس موقفاً عابراً.
أبرز ما حملته هذه الرؤية إعادة تعريف مفهوم الأمن؛ فالأمن المستدام لا يقوم على المظلات الخارجية وحدها.
بل على قدرات وطنية راسخة وشراكات متوازنة ومصالح متبادلة وثقة قادرة على الصمود في الأزمات.
خصوصا ان درل الخليج ذهبت “للتحوط الايتراتيجي “، بتنويع شراكاتها مع الدول الكبرى بما يحقق هامش اوسع لاستقلال القرار السياسي.
ومن هنا الدعوة إلى تحويل عناصر القوة إلى عوامل طمأنينة، وجعل استخدام القوة خياراً مكلفا ، وتعزيز التعاون والتكامل بدلاً من الصراع.
وقدّمت الكلمة منهجاً عملياً لتقييم فاعلية التحالفات عبر بعدين متكاملين:-
١- بعد اقتصادي سياسي يقوم على التشبيك الاقتصادي و ترابط المصالح ورفع كلفة الصراع.
٢-وبعد استراتيجي يقوم على تنويع الشراكات والتحوط الاستراتيجي وصون السيادة واستقلال القرار الوطني.
هذا الطرح الواقعي، خصوصا في بعده الاقتصادي له شواهد تاريخية كثيرة ، فمثلا فرنسا وايطاليا دخلتا في حربين عالميتين ضد بعض في بداية القرن العشرين.
ولتجنب تجدد الصراع تم تأسيس (مجمع صناعة الحديد والصلب ) بين البلدين، الذي تحول” للسوق الاوربية المشتركة” بعد استقطاب دول اوروبية اخرى، ثم تحول ل”لاتحاد الاوربي”.
هذا الاتحاد الذي قام على اساس التشبيك الاقتصادي، وربط مصالح الدول وتحويلها لمصالح مشتركة، وجعل امنها امنا مشتركأ ومستداما.
وكما يقول الاقتصاديون “عند المال تتحد الاراء والمذاهب والاديان”
هذا الطرح يمنح العراق موقعاً محورياً كحلقة وصل إقليمية، خصوصاً في مجالات الطاقة والتجارة والنقل والاستثمار.
ويجعل الاستقرار مسؤولية مشتركة لا التزاماً أمنياً محدوداً.
خصوصا ان العراق لديه مشروع طموح لربط شبكات النقل وممرات الطاقة وسلاسل التوريد التجارية عبر مشروعه (طريق التنمية ) الذي من الممكن تحويله لنواة تشابك مصالح اقليمية ثم اتحاد اقليمي يقوم على المصالح المشتركة والامن المشترك.
كما أكدت الرؤية نهج العراق بأقامة علاقات متوازنة على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة.
وهو ما يمكن ان يمنح العراق دور الوسيط والجسر بين الأطراف المختلفة، ويعزز ثقة المجتمع الدولي والاقليمي بقدرته على إدارة الاختلافات وبناء الثقة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية عملية لأنها صادرة عن جهاز الأمن الوطني، المسؤول عن الاستخبارات والتنسيق الأمني.
فهي قابلة للترجمة عبر تطوير آليات الإنذار المبكر، والتعاون الأمني والاستخباري، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وإدارة الأزمات واحتواء التصعيد، بالاضافة للعمل على تتشبيك المصالح الاقتصادية والتجارية.
بما يمنع نشوء الأزمات بدلاً من الاكتفاء بمواجهة آثارها. كما تعزز السيادة الأمنية العراقية وتدعم بناء دولة مستقرة قادرة على حماية مصالحها دون وصاية أو تدخل خارجي.
ختاماً، تمثل الكلمة وثيقة رؤية عراقية تقوم على ترابط المصالح، والتحوط الاستراتيجي، القائم على تنويع التحالفات ، وتحويل (الامن التقليدي إلى طمأنينة مستدامة) .
والاختبار الحقيقي يبقى في ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات وبرامج وآليات عمل مؤسسي،
بالتشبيك الاقتصادي وربط المصالح الاقليمية، والتنسيق الامني لاحتواء اي تصعيد وبناء امن مشترك.
و الجزء الاكثر حساسية منه يقع في صميم مهام جهاز “الأمن الوطني” ، الذي يملك الأدوات التنسيقية والاستخبارية لجعل العراق عنصر استقرار وطمأنينة في محيطه، وجسرا لألتقاء المصالح وصناعة سلام مستدام في المنطقة .




