القناع.. من مجموعة الزعيم..!
تأليف جليل هاشم البكاء ||

بعد أسابيع، زار مراد مكتبًا حكوميًا كبيرًا، فاستقبله مديره الجديد بحفاوة. كان المدير قد حصل على منصبه بعد حملة طويلة للدفاع عن الزعيم، رغم أنه لم يمتلك الخبرة اللازمة لإدارة المؤسسة.
جلس مراد أمامه، وتحدثا عن مشروع جديد يحتاج إلى موافقات سريعة.
قال المدير:
الأمور تسير كما خططنا.
سأله مراد:
وماذا عن الاعتراضات؟
ابتسم المدير.
تجاوزناها.
كيف؟
كل من اعترض اتُّهم بأنه لا يدعم مشروع الزعيم.
هز مراد رأسه برضا.
ثم وقّع المدير الأوراق، من دون أن يقرأ تفاصيلها كاملة.
بعد خروجه، مر مراد في ممر طويل تتدلى على جدرانه صور سليم. كان الموظفون يمرون تحت الصور بانحناءة خفيفة، لا يعرف أحد إن كانت احترامًا للرجل أم خوفًا من الأشخاص الذين يراقبون مدى احترامهم له.
في نهاية الممر، وجد عامل نظافة يزيل الغبار عن إطار صورة ضخمة.
سأله مراد:
هل تحب الزعيم؟
توقف العامل عن العمل، ثم قال:
أنا أحب أن أعيش بكرامة.
لم تعجب مراد الإجابة.
لم أسألك عن الكرامة. سألتك عن الزعيم.
أجاب العامل:
إذا كان الزعيم يريد لنا الكرامة، فأنا أحترمه. وإذا كان يريد مني أن أسكت عن الظلم، فلا أعرف ماذا يريد مني.
نظر مراد إلى العامل طويلًا. كان الرجل يرتدي ملابس بسيطة، ويداه متعبتين من العمل، لكنه لم يتحدث بخوف أو تحدٍّ. تحدث كما يتحدث شخص لا يريد الدخول في لعبة لا يفهم قواعدها.
قال مراد:
عليك أن تكون أكثر حذرًا في كلامك.
ابتسم العامل ابتسامة خفيفة.
أنا حذر. لهذا لم أقل إنني أحبه، ولم أقل إنني أكرهه.
ثم عاد إلى تنظيف الإطار.
واصل مراد سيره، لكنه شعر بانزعاج لم يستطع تفسيره. لم يكن العامل معارضًا منظمًا، ولم يرفع شعارًا، ولم يكتب منشورًا. ومع ذلك، استطاع بجملة واحدة أن يخرج من المعادلة التي حاول مراد فرضها على الجميع.
كان مراد يريد أن يختار الناس بين الحب والعداء، بين الولاء والخيانة، بين التصفيق والصمت. أما العامل، فقد رفض أن يجعل من مشاعره شهادة ولاء لأي شخص.
وعندما وصل مراد إلى البهو الرئيسي، رفع رأسه نحو الصورة الكبيرة.
للمرة الأولى، لم ير فيها وجه سليم وحده.
رأى ناظم الذي يخفي عقوده خلفها، وفاضل الذي يفتح بها الأبواب، ورائد الذي يكتب لها التاريخ، وشاكر الذي يهدد الناس باسمها، والمدير الذي يوقع الأوراق تحت ظلها، وعزيز الذي اقترض المال كي يحمي الأمل الذي وجده فيها.
ورأى نفسه أيضًا.
كان يعرف أن سليم لم يصنع هذه المنظومة وحده، وأن الرجل ربما لم يكن يدرك حجمها في بدايتها. لكن مراد كان يعرف الحقيقة كاملة: هو الذي اقترح الفكرة، وهو الذي رتب الحكاية، وهو الذي جعل الصورة تتحول إلى سلطة.
ومع ذلك، لم يشعر بالذنب.
قال في نفسه إن الناس هم الذين صدقوا، وإنهم كانوا يبحثون عن زعيم، وإنه لم يفعل سوى تقديم ما طلبوه.
ثم عدّل ياقة معطفه، وغادر المبنى.
وفي الخارج، كان طفل يقف أمام لوحة كبيرة تحمل صورة سليم. أمسك بيد أمه وسألها:
أمي، هل هذا الرجل هو الذي بنى مدينتنا؟
أجابته:
لا أعرف يا بني.
قال الطفل:
إذن، لماذا صورته أكبر من صور كل الذين بنوا البيوت والمدارس والمستشفيات؟
لم تجبه الأم.
كان المارة يسرعون إلى أعمالهم، والسيارات تتزاحم في الشارع، ومكبرات الصوت تبث أغنية تمجد الزعيم. لكن الطفل ظل ينظر إلى الصورة، منتظرًا جوابًا لم يكن أحد مستعدًا لتقديمه.
وفي تلك اللحظة، هبت ريح قوية، فاهتز طرف اللوحة، وانكشف خلفها جزء من الجدار المتشقق.
اقترب عامل من المكان، وحاول تثبيت الإطار. وبينما كان يشد البراغي، ظهرت خلف الصورة طبقات قديمة من الطلاء، وكتابات باهتة تركها عمال سابقون، وأسماء أشخاص شاركوا في بناء المبنى قبل سنوات طويلة.
لم ينتبه أحد إلى الأسماء.
كان الناس مشغولين بالصورة.
أما مراد، فقد وصل إلى سيارته، وجلس في المقعد الخلفي، ثم أخرج هاتفه واتصل برائد.
قال له:
نحتاج إلى حملة جديدة.
سأله رائد:
هل حدث شيء؟
أجاب مراد:
لا شيء. وهذا ما يقلقني.
كيف؟
الناس بدأت تتحدث عن المشروعات، وعن الأموال، وعن مسؤولية المؤسسات. نحتاج إلى إعادة النقاش إلى المكان الذي نريده.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
اجعلوا الجميع يتحدث عن الزعيم.
أغلق الهاتف، وأسند رأسه إلى المقعد.
كانت المدينة خلف زجاج السيارة تبدو هادئة، لكن مراد كان يعرف أن الهدوء لا يعني أن الأمور تحت السيطرة. فالصورة التي صنعها بدأت تكتسب حياة مستقلة، والناس الذين أرادوا أن يجعلوها أداة صاروا يخشون أن تتحول إلى قوة لا يستطيعون توجيهها.
ولم يكن يدري أن عزيزًا، في تلك الساعة نفسها، كان يجلس أمام طاولة صغيرة في بيته، يكتب رسالة إلى أصدقائه الذين دعاهم إلى الدفاع عن الزعيم.
كتب لهم أنه أخطأ حين اعتبر الشك خيانة، وأنه لم يعد مستعدًا لأن يدفع من كرامته وماله ثمنًا لشيء لا يستطيع فهمه.
قرأ الرسالة مرتين، ثم أرسلها.
وبعد دقائق، بدأت الردود تصل.
اتهمه بعضهم بالضعف، وقال آخرون إنه تعرض للتضليل، وطالبه شاكر بالاعتذار عن الإساءة إلى الجماعة. لكن شخصًا واحدًا كتب له جملة قصيرة:
كنت أفكر في الأمر نفسه، ولم أجرؤ على الكلام.
قرأ عزيز الرسالة، وشعر للمرة الأولى أن السؤال الذي يخشاه الناس قد يكون بداية خروجهم من الخوف.
وفي ساحة المدينة، بقيت صورة سليم معلقة فوق الجدار المتشقق.
لم تسقط.
لكن خلفها، كان الجدار يزداد تصدعًا.
بقلم جليل هاشم البكاء




