إرهاصات مجنون.. لقد علّمتُ العالم كل شيء… ونسيتُ أن أتعلّم كيف أدير ملهى ليلياً يمتلكه أحفادي..!
د. طالب الشوكة ||

الحياة كتاب ضخم، نسطّر صفحاته بعرق الجباه ودموع الصبر، لكن العبث أحياناً هو الذي يمسك بقلم التحرير. وأشد لحظات العمر سخرية ومرارة ليست تلك التي يفشل فيها الإنسان، بل تلك التي يصل فيها إلى قمة النجاح، ثم يكتشف أن النجاح الذي أفنى عمره من أجله لا يستطيع أن يضمن له راحة البال حتى داخل بيته!
شلون يكون حال رجل أفنى زهرة شبابه في أروقة الجامعات، يفكّك طلاسم العلوم، ويشرح للآخرين كيف يُبنى المستقبل، ثم يجد نفسه في خريف العمر عاجزاً عن إقناع أبنائه وأحفاده بأبسط ما يؤمن به؟
كيف يتحول البيت الذي تعب من أجل بنائه إلى ساحة صخب ومشكلات، ويصبح صاحبه مضطراً إلى مغادرته بحثاً عن الهدوء؟
بدأت السالفة برجل حمل همّ مستقبله ومستقبل عائلته على كتفيه. طحنته دوامة الحياة وقسوة العمل، ولم تكن لياليه سوى محطات أخرى من الكد والجد تحت ضوء مصباح خافت. وسط عواصف لقمة العيش، كان يرى في العلم طوق النجاة، والكنز الذي لا يفنى.
مخبل ويحلم!
لكن الرجل لم يكن مجنوناً، بل كان يؤمن بأن التعب لا يضيع، وأن العلم يفتح أبواباً يعجز الفقر عن إغلاقها. وبإرادة صلبة، عبر الصعاب حتى بلغ ما أراد، وحصل على الدكتوراه.
كللللللوش! الف مبروك والله عمي سبع وكدر يحقق احلامه
أصبح رمزاً يُشار إليه بالبنان، وعلماً يفيض بالمعرفة، يتزاحم الطلاب عند عتبة مكتبه لينهلوا من فكره. وكان يحلم بأن يكون أبناؤه امتداداً لمسيرته، وأن يحملوا المشعل من بعده. لم يكن يريد، بالضرورة، أن يصبحوا جميعاً أساتذة جامعات، بقدر ما كان يتمنى أن يجد فيهم تقديراً للعلم، وحرصاً على بناء مستقبلهم. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن.
استثقل الأبناء الكبار طريق الدراسة، وألقوا بالكتب جانباً قبل أن يعبروا عتبة المرحلة المتوسطة. وكأنهم يقولون لأبيهم. هذا طريقك أنت، وليس طريقنا!
وكان الأب يعيد المحاولة في كل مرة. يرسلهم إلى المدرسة، ثم يعود فيجدهم أمامه. يتحدث معهم صباحاً ومساءً، ينصحهم ويحذرهم، ويعيد الكلام نفسه حتى أصبح كالمؤذن الذي ينادي للصلاة، لكن لا حياة لمن تنادي!
يا رب، شيسوي هذا الرجل أكثر من هذا؟
استعان بالآخرين، وتدخل الناس، وجُرّب الشدة، لكن النتيجة لم تكن كما أراد. وربما كان أكثر ما يؤلمه أنه يرى سنوات عمره تمر، فيما تبدو كلماته عاجزة عن الوصول إلى أبنائه.
وهنا تبرز حكاية أخرى لا يمكن تجاهلها: الصاحب ساحب.
فالأصدقاء ليسوا مجرد رفاق نمضي معهم الوقت؛ قد يكونون جسراً إلى النجاح، وقد يصبحون طريقاً إلى الإهمال والضياع. وحين يجد الشاب في رفاقه من يشجعه على ترك الدراسة والاستهانة بالمستقبل، تصبح مهمة الأب أكثر صعوبة.
لكن المشكلة ليست في الأصدقاء وحدهم، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد. فالإنسان يتأثر بمن حوله، وتؤثر فيه بيئته، وتبقى له اختياراته ومسؤوليته. وبين هذه العوامل جميعاً، قد يجد الأب نفسه يخوض معركة لا يعرف كيف ينتصر فيها.
وحده الابن الأصغر كان استثناءً جميلاً في هذه اللوحة الرمادية؛ سار على خطى أبيه، ونال البكالوريوس، ثم ارتدى الزي العسكري وارتقى إلى رتبة على الكتف، ليعيد إلى قلب الشيخ بعض قطرات الأمل. كان الأب ينظر إليه ويقول في نفسه: الحمد لله، بعد أكو أمل!
لكن الحياة لا تمنح الإنسان دائماً فرصة للاحتفال طويلاً بما تحقق. فالأبناء الذين أتعبوه في شبابهم تركوا وراءهم أسئلة لم تجد أجوبة، ثم جاءت مشكلات الأحفاد لتفتح جراحاً قديمة في قلبه.
وهذه المرة، بنكهة جديدة من العبث!
الحفيد الأول أدار ظهره للدراسة، ورسب سنتين متتاليتين في الصف الثالث المتوسط، وكأن بينه وبين المناهج ثأراً عشائرياً لا ينتهي. يناقشه الجد بحرقة الفيلسوف وشفقة الأب، ويحاول أن يشرح له أن المدرسة ليست مجرد امتحانات ودرجات، بل فرصة لبناء مستقبل يستطيع فيه الاعتماد على نفسه.
لكن الحفيد ينظر إليه بعينين غائبتين، وكأنه يستمع إلى خطبة باللغة المسمارية!
والمثير للضحك والبكاء أنه شريك حاضر في اللهو والفوضى؛ إن رقص أحدهم رقص معه، وإن تحدث اثنان كان ثالثهما، وإن ضاع الوقت وجدناه في مقدمة المودّعين له!
أما الحفيد الثاني، فحكاية أخرى. مشكلات تتولد من لا شيء، وكلمة من الجد تقابلها عشر كلمات من الجفاء وسلاطة اللسان. وإذا تدخلت أمه لتأديبه أو نهره، ارتفعت الأصوات، وتحولت الدار إلى ساحة صراع لا تهدأ، حتى يخيل للمرء أن طبول الحرب قد بدأ، وأن الصحون نفسها ستعلن انضمامها إلى المعركة! وتحدث معركة كمعركة حرب البسوس لاتنتهي
وهنا، يا سادة، يقف البروفيسور الذي قضى عمره يدرّس العقول ويشرح النظريات، عاجزاً عن الحصول على ساعة هدوء في بيته.
هل تصدقون؟
الرجل الذي أفنى سنوات عمره في التحصيل العلمي، والذي اعتاد أن يناقش الأفكار ويحلل المشكلات، أصبح يهرب من داره!
يلبس معطفه الأنيق، يحمل حقيبته الجلدية الثقيلة التي تضم أطاريح ومراجع، ويغادر المنزل حتى ينجو من الضجيج. تراه يمشي في أزقة المدينة، يبحث عن حديقة عامة أو مقهى هادئ، وكأنه غريب لا يجد مكاناً يأويه في بيته. وما أشد مرارة أن يصبح البيت، الذي يفترض أن يكون ملاذ الإنسان الأخير، المكان الذي يضطر إلى الهرب منه!
لكن دعونا نتوقف لحظة. هل كانت مشكلة هذا الرجل أنه أراد لأبنائه وأحفاده أن يكونوا نسخاً منه؟
وهل كان يتوقع أن يمنحهم العلم السعادة نفسها التي منحته إياها المكانة العلمية؟
ربما كان يريد لهم مستقبلاً أفضل فحسب. وربما لم يدرك أن النصيحة، مهما تكررت، لا تصنع وحدها قناعة، وأن الإنسان قد يقضي عمره محاولاً إنقاذ أحبائه من طريق يراه خطأ، من دون أن يستطيع إجبارهم على اختيار الطريق الذي يتمناه لهم.
وهذه إحدى مآسي الحياة. أن تحب إنساناً، وتخاف على مستقبله، وتبذل ما تستطيع من أجله، ثم تكتشف أن إرادتك لا تستطيع أن تعيش حياته نيابة عنه. ومع ذلك، فإن حق الأب في الاحترام لا يسقط، ولا يصبح الصراخ والإيذاء أمراً مقبولاً لمجرد اختلاف الأجيال. فالحرية لا تعني إهانة الآخرين، كما أن العلم لا يمنح صاحبه حق فرض أحلامه على الجميع. وبين هذا وذاك، بقي البروفيسور يحمل شهادته في قلبه، ويمشي بعصاه، ويبحث عن ركن صغير من السكينة.
وذات يوم، جلس على دكة الرصيف، يتأمل المارة، ثم نظر إلى حقيبته التي رافقته سنوات طويلة. ابتسم ابتسامة امتزج فيها البكاء بالضحك، وقال لنفسه:
يا لتعاسة الوكت !
قضيت ستين عاماً أفكك نظريات المعرفة، وأعلّم البشر كيف يفكرون، ثم أجد نفسي مطروداً من راحتي في بيتي بسبب صبي لا يتقن سوى الصراخ، لمجرد أنني طلبت منه أن يخفض صوت التلفاز!
لقد علّمت العالم كل شيء…
ونسيت أن أتعلّم كيف أدير ملهى ليلياً يمتلكه أحفادي!
ثم أخذ رشفة من استكان الجاي، ومسح نظارته الطبية، وتساءل. أين ذهب التعب؟
وأين اختفى الحلم الذي عشت من أجله؟
وهل يعقل أن يقضي الإنسان عمره في بناء مستقبله، ثم يكتشف أنه لم يستطع أن يضمن لنفسه مكاناً هادئاً يعيش فيه ذلك المستقبل؟
لم يكن الرجل يكره أبناءه وأحفاده، ولم يكن يتمنى لهم إلا الخير. لكنه تعب من تكرار المحاولة، ومن رؤية المشهد نفسه يتكرر أمامه، ومن الشعور بأنه يتحدث بلغة لا يسمعها أحد.
ولعل أكثر ما كان يؤلمه أنه لم يعد يعرف أين تنتهي مسؤوليته، وأين تبدأ مسؤولية الآخرين عن اختياراتهم.
نظر إلى الشارع، فرأى حفيداً يركض خلف كرة بلاستيكية، فضحك هذه المرة من قلبه، ثم هز رأسه وقال. يبدو أنني قضيت عمري أبحث عن شهادة الدكتوراه، بينما كنت أحتاج إلى شهادة أخرى لا تمنحها الجامعات…
شهادة في فن التعايش مع المجانين دون أن تفقد عقلك!




