الجمعة - 23 اكتوبر 2026

ما قبل الانفجار: حربٌ تُدار على حافة الهاوية..!

منذ ساعتين
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

 طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

ليست كُلُ حركةٍ عسكرية مُقدمةً لحرب ، لكنّ بعض التحركات تكشف أن أحتمالات الحرب أصبحت جُزءاً من حسابات السياسة ، وأن الاستعداد لها قد يكون وسيلةً للضغط بقدر ما يكون تمهيداً للمُواجهة .
في هذا السياق ، يكتسب تقليص الوجود العسكري والدبلوماسي الأميركي في عدد من مواقع غرب آسيا أهميةً تتجاوز الإجراءات الإدارية المُعتادة ، فنقل بعض القوات إلى مواقع أكثر أمناً ، وتقليص أعداد المُوظفين في بعثات دبلوماسية بالتزامن مع بحث خيارات عسكرية جديدة أتجاه إيران مؤشراتٌ تستحق القراءة الاستراتيجية لا التفسير المُتسرع ، فهذه التدابير قد تعكس تقديراً مُتزايداً للمخاطر ، أو أستعداداً لأحتواء تداعيات التصعيد ، من دون أن تثبت وحدها أتخاذ قرار نهائي بأستئناف الحرب .
وتأتي هذه التطورات في ظل تعثّر المسار التفاوضي ، وأستمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني ، والعقوبات ، وأمن الملاحة في مضيق هرمز ، فضلاً عن التباعد بين حسابات واشنطن وتل أبيب بشأن حدود المُواجهة ونتائجها ، وبينما ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن الضغط العسكري والاقتصادي وسيلة لتقييد القُدرات الإيرانية وتغيير حسابات طهران .
تنظر إيران إلى هذه السياسات بوصفها تهديداً لأمنها وسيادتها ، وتلوّح بالرد على أي هجوم جديد ، لكن المُشكلة الاستراتيجية تكمن في أن الضغط حين يتجاوز حدود التأثير المحسوب ، قد ينتج نتائج مُعاكسة لأهدافه ، فالتفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية ، كما أن القُدرة على توجيه ضربات مُؤثرة لا تعني أمتلاك القُدرة على التحكم بمسار الحرب أو أحتواء أرتداداتها .؟
وفي المقابل ، فإنّ قُدرة إيران على إلحاق الأذى بالقوات والمصالح الإقليمية ، أو تهديد طُرق الطاقة والتجارة لا تعني أنها تستطيع تجنّب الكُلفة الباهظة لمُواجهة مفتوحة ، وهنا تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية الداخلية ولا سيما أقتراب أنتخابات التجديد النصفي الأميركية .
كما أن الضغوط التي تواجه الحكومة الإسرائيلية ، وحاجة طهران إلى منع تآكل قُدرتها على الردع وقد تتحول هذه الاعتبارات إلى عوامل تدفع نحو التصعيد أو إلى أسباب إضافية لتجنّبه ، فالتوقيت السياسي لا يحسم وحده القرار العسكري ، لكنه يُؤثر في كُلفته وطريقة تسويقه وحدود المخاطرة المقبُولة .
أما دول المنطقة ، فهي ليست مُجرد ساحات جُغرافية تتحرك فوقها القوى الكبرى ، فالقواعد العسكرية ، والمجال الجوي ، والموانئ ، ومُنشآت الطاقة ، والممرات البحرية قد تتحول جميعها إلى حلقات في سلسلة تصعيد لا تملك الدول المُضيفة السيطرة الكاملة على نتائجها .
والعراق ، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه وعلاقاته معني مُباشرةً بمنع تحويل أراضيه وأجوائه إلى أمتداد للمُواجهة ، وبحماية أمنه وأقتصاده ومصالح مواطنيه من تداعياتها .

وتكشف تجارب شعوب ودول خرجت من حروب مُدمرة وأزمات مُمتدة أن النهوض من تحت الركُام لم يكن ثمرة الانتصار العسكري وحده ، ولا نتيجة الشعارات التعبوية ، بل حصيلة بناء المُؤسسات ، وإعادة إعمار الاقتصاد ، وترميم الثقة الاجتماعية ، وتقديم المصالح الوطنية على صراعات النفوذ .
فالحرب قد تدمّر البُنية المادية للدولة ، لكنّ غياب الرؤية السياسية والمُؤسسات الفاعلة قد يحوّل آثارها إلى أزمة طويلة الأمد حتى بعد توقف القتال .
ومن هنا ، لا ينبغي قراءة التحركات الأميركية الراهنة بأعتبارها دليلاً قاطعاً على حرب وشيكة ، ولا التقليل من خطورتها بأعتبارها مُجرد إعادة أنتشار روتينية .؟
القراءة الأكثر اتزاناً ترى فيها جُزءاً من مُعادلة ردع مُتبادلة تتداخل فيها الاستعدادات العسكرية مع العقوبات والتهديدات والضغوط الدبلوماسية ، فيما يبقى أحتمال الانزلاق إلى مُواجهة أوسع قائماً .

ختاماً .. إن الحرب الباردة بين واشنطن وطهران ، بتداخل الدور الإسرائيلي فيها لم تعد مُجرد صراع على النفوذ ، بل مُواجهة على شروط الأمن الإقليمي ومُوازين القوة ، وحدود القرار السيادي ، وقد تكون أخطر مراحلها تلك التي يعتقد فيها كُل طرف أن خصمه سيتراجع أولاً ، فيرفع سقف مطالبه ويضيّق مساحة التسوية ، فالأختبار الحقيقي للقوة ليس بالقُدرة على إشعال الحرب ، بل القُدرة على منعها حين تصبح كُلفتها أكبر من مكاسبها ، وفي منطقة لا تعترف أزماتها بالحدود قد يكون سوء تقدير واحد كافياً لنقل الصراع من حافة الهاوية إلى قلبها …!