وللغربِ حواسمُهُ أيضاً..!
د. أمل الأسدي ||

(أمُّ الحواسم)، هكذا أطلق النظام البعثي البائد على مواجهته الأخيرة مع القوات الأميركية وحلفائها عام 2003، في محاولةٍ لتسويق معركةٍ جديدة بشعارات النصر والبطولة، بعد عقودٍ من الحروب والقمع والجوع والتشريد. وللمفارقة، فقد حُسمت المعركة فعلاً، ولكن بعيداً عن أحلام النظام وأوهامه ودعايته الجوفاء.
غير أنَّ مصطلح (الحواسم) لم ينتهِ بسقوط النظام، بل شهد تحوُّلاً دلاليّاً لافتاً؛ إذ انتقل من تسميةٍ لمعركةٍ عسكرية إلى وصفٍ شعبي لأعمال السلب والنهب التي رافقت أحداث عام 2003، حتى غدت الكلمة مرادفةً للسرقات والاستيلاء على الممتلكات.
يومها، تناقلت وسائل الإعلام الغربية والعربية مشاهد النهب، وبرز وصف (علي بابا) الذي كان الجنود الأجانب يطلقونه على الناهبين في شوارع العراق، وتداولته وسائل الإعلام في تقاريرها وتغطياتها. ولم تقف التغطيات عند حدود إدانة السلوك، بل أسهمت في ترسيخ صورةٍ مشوَّهة عن العراقيين، وكأنَّ أفعال أفرادٍ تمثل شعباً بأكمله.
وهكذا مضت السنوات، ليكشف الزمن أنَّ للغرب (حواسمه) أيضاً، وأنَّ مشاهد السلب والنهب ليست حكراً على العراق!
فقد شاهدنا في تظاهرات فرنسا مشاهد لمحالَّ تجارية تُقتحم، وممتلكاتٍ تُنهب، وامرأةً تتوسل إلى الناهبين ألَّا يسرقوا متجرها، لكنَّ توسلاتها لم تمنعهم من الاعتداء على ممتلكاتها.
والمفارقة أنَّ أعمال النهب في العراق طالت غالباً مقارَّ حزب البعث وقصور النظام الساقط ومؤسساته، بينما طالت في المشاهد الفرنسية أرزاق أفرادٍ لا علاقة لهم بالصراعات السياسية.
لقد كشفت هذه الأحداث هشاشة الصورة المثالية التي تُقدَّم
عن المجتمعات الغربية؛ فالقوانين، مهما بلغت صرامتها، لا تعني بالضرورة وجود تماسكٍ اجتماعي، وما إن تضطرب الأوضاع حتى تظهر سلوكيات تكشف التناقض بين المظهر الحضاري والواقع الإنساني.
وفي الوقت الذي نشاهد فيه تجاوزات بعض الأجهزة الأمنية بحق المتظاهرين، نرى في المقابل تجاوزات يرتكبها بعض المحتجين بحق الممتلكات والأفراد، لتبقى الفوضى سلوكاً لا وطن له، ولا جنسية، ولا هوية.
إنَّ السلب والنهب ليسا خصوصيةً عراقيةً أو عربيةً، كما يحاول الإعلام الغربي تسويقهما، بل ظاهرتان قد تظهران في أيِّ مجتمعٍ حين يختلُّ الأمن وتسود الفوضى. وليس العراق غابةً تقابلها مجتمعاتٌ ملائكيةٌ، كما حاولت بعض التغطيات الإعلامية تصويره.
وهكذا يقول الزمن كلمته، ويعيد إلى العراق شيئاً من اعتباره؛ فالحواسم ليست صناعةً عراقيةً أو عربيةً، ومشاهد الفوضى لا تصلح معياراً للحكم على الشعوب أو اختزال هويتها.
ويبقى تحفُّظنا على الاستعمال المشوَّه لشخصية (علي بابا)، الذي كرَّسه الخطاب الغربي رمزاً للسرقة، في حين أنَّ (علي بابا) في حكايات (ألف ليلة وليلة) لم يكن واحداً من اللصوص، بل كان مكتشفاً لمغارتهم وكنوزهم. وهكذا تحوَّل مكتشف اللصوص إلى رمزٍ لهم، في مفارقةٍ لا تقل غرابةً عن انتقائية الأحكام التي تُطلق على الشعوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ




