العراق وسوريا وإيران أمام مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية..!
د. احمد الاعرجي ||
٢٢-١٠-٢٠٢٦

في العلاقات الدولية لا تكمن قوة التحليل في تفسير الأحداث بعد وقوعها بل في استشراف اتجاهاتها من خلال قراءة المصالح الاستراتيجية وموازين القوى .
ومن هذا المنطلق سبق أن أشرتُ خلال مداخلات تلفزيونية متعددة إلى أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العراق ستكون جزءاً من مسار أوسع للزيارات المتبادلة وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية .
واليوم تتضح أهمية هذه الرؤية مع تنامي المؤشرات على أن بغداد ودمشق تتجهان نحو مرحلة جديدة من التواصل السياسي والاقتصادي .
إن التقارب العراقي السوري ليس مجرد تحرك دبلوماسي بل ضرورة استراتيجية تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة .
فالعراق يحتاج إلى بيئة سورية مستقرة كما تحتاج سوريا إلى الانفتاح على العراق بوصفه شريكاً اقتصادياً وتجارياً مهماً .
ومن شأن التعاون بين البلدين أن يعزز أمن الحدود ويحد من التهديدات المشتركة ويفتح آفاقاً للاستثمار وإعادة الإعمار والنقل والتبادل التجاري بما يحقق مصالح الطرفين ويمنح المنطقة فرصاً أوسع للاستقرار .
وتتضاعف أهمية هذا التقارب في ظل التوترات الدولية والإقليمية ولا سيما الصراع المرتبط بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل وما يرافقه من ضربات عسكرية وانتهاكات للسيادة والمجالات الجوية لدول المنطقة .
وفي ظل هذه الظروف يصبح تنويع الشراكات ومنافذ الطاقة والتجارة خياراً استراتيجياً لحماية الاقتصادات الوطنية وتقليل الارتهان للممرات المعرّضة للأزمات .
وهنا تبرز أهمية ممرات الطاقة التي تربط الخليج بالبحر المتوسط .
فقد طُرح تاريخياً مشروع لنقل الغاز الإيراني عبر العراق وسوريا باتجاه لبنان فيما مثّل خط كركوك–بانياس مساراً لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى المتوسط .
وهذه مشاريع ومسارات مختلفة لكنها تكشف عن حقيقة جيوسياسية مهمة إن موقع العراق وسوريا ولبنان يمكن أن يحوّلها إلى عقد استراتيجية للطاقة والنقل الإقليمي متى توافرت البنية التحتية والاتفاقات السياسية والضمانات الأمنية والجدوى الاقتصادية .
وتكتسب خطط إعادة إنشاء مسار النفط العراقي عبر سوريا أهمية خاصة في ظل البحث عن بدائل لتصدير النفط بعيداً عن المخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز .
إن نجاح هذه الرؤية يمكن أن يمنح العراق منافذ تصدير إضافية ويوفر لسوريا عوائد عبور واستثمارات وفرص عمل ويمنح لبنان فرصاً لوجستية وتجارية جديدة .
غير أن تحقيق ذلك يتطلب مشاريع قابلة للتنفيذ وتمويلاً واضحاً وتعاوناً إقليمياً يحمي المصالح المشتركة من التجاذبات الدولية .
وفي السياق ذاته سبق أن استشرفتُ احتمال استئناف الزيارات المتبادلة بين إيران وسوريا انطلاقاً من تشابك المصالح وحسابات النفوذ الإقليمي وهو مسار يستحق المتابعة والتحليل .
وبصفتي متخصصاً في العلاقات الدولية أرى أن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات مهمة في شبكة العلاقات الإقليمية ومسارات الطاقة والتجارة .
فالعراق لا ينبغي أن يكون مجرد ممر تتنافس عبره القوى بل دولة توظّف موقعها لصناعة التوازنات .
ومن يقرأ الجغرافيا بوصفها قوة استراتيجية يستطيع أن يستشرف التحولات قبل أن تتحول إلى واقع سياسي واقتصادي .




