الخميس - 22 اكتوبر 2026

القسم على القرآن واكتمال الكابينة الوزارية.. هل تنتصر الدولة على الأحزاب؟!

منذ 10 ساعات
الخميس - 22 اكتوبر 2026

كاظم الطائي _Nor ||

 

 

 

إن اكتمال الكابينة الوزارية في العراق لا يمثل نهاية معركة تشكيل الحكومة بقدر ما يمثل بداية اختبارها الحقيقي. فبعد حسم توزيع الحقائب الوزارية وأداء الوزراء القسم على كتاب الله، انتقل المشهد من مرحلة التفاوض على المناصب إلى مرحلة أكثر حساسية، تتعلق بقدرة رئيس الوزراء علي الزيدي على إدارة حكومته، وتحديد حدود العلاقة بين المسؤولية الوطنية والالتزامات الحزبية.

وفي هذا السياق، يكتسب القسم الذي أداه الوزراء دلالة تتجاوز المراسم الرسمية. فعندما يُلزم رئيس الوزراء أعضاء حكومته بالقسم على القرآن الكريم، فإن الرسالة المفترضة هي أن مسؤولية الوزير يجب أن تكون أمام الله والقانون والشعب، وأن واجبات المنصب لا يجوز أن تخضع لإملاءات الأحزاب أو المصالح الشخصية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيكون هذا القسم بداية لتغيير حقيقي في طريقة إدارة الدولة، أم أنه سيبقى التزاماً شكلياً لا يتجاوز لحظة أدائه؟

القسم بين دلالة المشهد واختبار الممارسة

خلال مشهد أداء القسم، لفت انتباهي اختلاف طريقة تفاعل بعض الوزراء مع القرآن الكريم؛ فقد بدا أن بعضهم وضع إصبعه عليه، بينما وضع آخرون أصابعهم إلى جانبه، مع ظهور ابتسامة على وجه أحدهم. وقد رأى بعض المتابعين في هذه التفاصيل ما قد يوحي بالاستخفاف بالقسم، لكن المظهر وحده لا يكفي للجزم بنوايا الأشخاص أو الحكم على سلوكهم المستقبلي.

وفي المقابل، بدا علي الزيدي، وفق ما ظهر في المشهد، واضعاً كفه على القرآن الكريم أثناء أداء القسم، في صورة توحي بجدية اللحظة وثقل المسؤولية التي يعلن التزامه بها. ومع ذلك، فإن التمييز بين الصدق الشكلي والصدق الفعلي لا يمكن أن يُحسم من خلال لغة الجسد وحدها، بل من خلال القرارات والمواقف التي ستكشف مدى التزام رئيس الوزراء والوزراء بما تعهدوا به.

ومن الناحية السلوكية، قد تعكس الإيماءات المختلفة حالات متعددة، ولا يصح اعتبار الابتسامة أو حركة اليد دليلاً قاطعاً على الاستهزاء أو الفساد. لكن هذا لا يلغي أهمية السؤال الأخلاقي الذي يطرحه المشهد: هل يدرك كل وزير أن القسم ليس مجرد إجراء رسمي، بل تعهد بالمسؤولية والأمانة؟

ويحضر هنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُشَاقُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 4]. فالآية تذكّر بعاقبة المشاقة لله ورسوله، ولا ينبغي استخدامها لإصدار أحكام على أشخاص بعينهم استناداً إلى مظهر عابر؛ إنما يبقى جوهر المسؤولية في الوفاء بالعهد وصيانة الأمانة.

هل يستطيع الزيدي تحرير القرار الحكومي من الضغوط الحزبية؟

إن التحدي الأساسي أمام علي الزيدي لا يتمثل في استكمال تشكيل الحكومة، وإنما في إدارة هذه الحكومة ضمن مساحة حقيقية من الاستقلالية. فالوزير الذي يصل إلى منصبه بترشيح حزب سياسي يظل أمام اختبار واضح: هل يقدم المصلحة العامة عندما تتعارض مع مصلحة الجهة التي رشحته، أم يجعل موقعه الوزاري امتداداً لنفوذها؟

وهنا تتحدد القيمة السياسية للقسم. فإذا تمكن رئيس الوزراء من ترسيخ قاعدة مفادها أن الوزير مسؤول عن قراراته أمام القانون والشعب، وأن مؤسسات الدولة ليست ملكاً للأحزاب، فإن القسم قد يتحول إلى عنوان لنهج حكومي مختلف. أما إذا بقيت القرارات محكومة بالتفاهمات المغلقة، فإن المراسم، مهما كانت دلالتها الرمزية، لن تكون كافية لتغيير طبيعة الحكم.

ولا يعني استقلال القرار الحكومي قطع العلاقة مع القوى السياسية أو تجاهل التوازنات التي أفرزتها العملية السياسية، بل يعني أن تكون هذه التوازنات خاضعة للدستور، وألا تتحول إلى وسيلة لتعطيل مؤسسات الدولة أو تقديم المصالح الحزبية على حقوق المواطنين.

اكتمال الكابينة بداية الاختبار لا نهايته

إن اكتمال الكابينة الوزارية يمنح الحكومة فرصة للانتقال من التفاوض إلى العمل، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية إثبات قدرتها على الإنجاز. فالمواطن العراقي لا ينتظر مراسم إضافية أو تعهدات جديدة، بل يريد نتائج ملموسة في الخدمات والاقتصاد ومكافحة الفساد وحماية المال العام.

وسوف تظهر حقيقة الالتزام بالقسم عندما يواجه الوزير ضغوطاً حزبية، أو عندما يتطلب القرار الحكومي محاسبة مسؤول نافذ، أو عندما تتعارض المصلحة الوطنية مع حسابات القوى السياسية. عندها لن يكون السؤال كيف أدى الوزير القسم، بل هل التزم بمضمونه؟

إن علي الزيدي أمام فرصة لإثبات أن تشكيل الحكومة لم يكن مجرد تسوية جديدة لتوزيع النفوذ، بل بداية لمرحلة تتقدم فيها الدولة على الأحزاب، ويصبح فيها المنصب العام مسؤولية لا امتيازاً.

فالقرآن الذي أُدي القسم عليه، والقانون الذي ينظم المسؤولية، والشعب الذي ينتظر نتائجها، جميعها تضع الحكومة أمام اختبار واحد_ أن يتحول التعهد إلى فعل، وأن تكون الدولة هي المرجعية الأولى في القرار، لا الحزب الذي أوصل الوزير إلى منصبه.