أجندات خارجية تحرّك الداخل وتدير المشهد؟ تساؤلات يحددها المتداول..!
د. محمد عباس البطاط ||

في قراءة المشهد العراقي اليوم، لا يكفي أن ننظر إلى الشعارات التي تتصدر الساحة، بل علينا أن نتوقف عند سؤال أكثر عمقاً: من أين جاءت هذه الأولويات؟ ومن يحدد توقيتها؟ ولماذا تتقدم بعض الملفات على غيرها في لحظة سياسية معينة؟
فالسياسة لا تُدار دائماً بالقرارات المباشرة؛ أحياناً تُدار بصناعة الأولويات، وتحويل بعض القضايا إلى عناوين يومية، ودفع المجتمع إلى الانشغال بملفات محددة، بينما تتراجع ملفات أخرى عن واجهة النقاش.
ومن أبرز الشعارات التي أصبحت حاضرة بقوة في المشهد العراقي: نزع السلاح وحصره بيد الدولة، إعادة النظر في التشريعات ذات الصلة بالأحوال الشخصية، خطاب حقوق المرأة والمساواة والنوع الاجتماعي، والجدل حول المرجعية الدينية، فضلاً عن الحملات والخطابات التي تستهدف هيئة الحشد الشعبي.
ولا يعني طرح هذه الملفات أن جميعها غير مشروعة أو أن من يناقشها يعمل بالضرورة وفق أجندة خارجية؛ فلكل قضية بعدها القانوني والاجتماعي والسياسي، ومن حق العراقيين مناقشتها. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول القضايا الوطنية إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي والأولويات السياسية والاجتماعية من خارج السياق الوطني.
إن شعار حصر السلاح بيد الدولة هو في الأصل مبدأ مرتبط بسيادة الدولة، لكن السؤال الواقعي هو: هل يُناقش هذا المبدأ ضمن مشروع وطني متكامل لبناء مؤسسات أمنية قوية، أم يتحول إلى ضغط سياسي يستهدف طرفاً محدداً دون معالجة جميع مصادر القوة والسلاح والتدخل الخارجي؟
وكذلك الحال في ملف الأحوال الشخصية؛ فالنقاش حول القانون ينبغي أن يجري داخل المؤسسات الدستورية العراقية، وبما يحفظ حقوق الأسرة ويوازن بين التشريع والقيم الاجتماعية والدينية، لا أن يتحول إلى معركة لإقصاء هوية مكوّن اجتماعي أو فرض نموذج ثقافي من خارج المجتمع.
أما حقوق المرأة والمساواة والنوع الاجتماعي، فهي ملفات حقوقية مهمة، لكن إدارتها تحتاج إلى قراءة عراقية واعية تميز بين حماية الحقوق فعلاً وبين استيراد المصطلحات والسياسات دون دراسة ملاءمتها للنظام الدستوري والقانوني والثقافي العراقي.
وفي المقابل، فإن استهداف المرجعية الدينية أو الحشد الشعبي لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن الصراع على هوية الدولة وموازين القوة فيها. فالحشد الشعبي أصبح جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية بموجب الإطار القانوني الذي ينظمه، وأي نقاش حول دوره ينبغي أن يكون نقاشاً قانونياً ومؤسسياً بعيداً عن التحريض والتعميم.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود أجندات خارجية؛ فالدول الكبرى بطبيعة الحال تبحث عن مصالحها. الخطر عندما تجد الأجندة الخارجية أدواتها من الداخل، فتتحول بعض النخب والمنصات ووسائل الإعلام إلى ناقل للأولويات الخارجية من دون أن تشعر، أو من دون أن تقدم للمجتمع تفسيراً واضحاً لمصادر هذه الأفكار وأهدافها ونتائجها.
العراق ليس جزيرة معزولة عن الصراع الدولي. وبعد عقود من الحروب والتدخلات، ما زالت الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية مرتبطة بالتنافس الإقليمي والدولي. وتظهر التقارير الحديثة أن ملف السلاح والعلاقة بين بغداد وواشنطن وطهران ما زال موضع ضغط وصراع سياسي وأمني واضح. كما أن النفوذ الخارجي لا يقتصر على الجانب العسكري؛ فالاقتصاد والطاقة والقطاع المالي يمكن أن تكون أيضاً أدوات تأثير في القرار السياسي.
لذلك فإن المطلوب ليس رفض كل فكرة تأتي من الخارج، ولا اتهام كل من يرفع شعاراً معيناً بالعمالة، وإنما امتلاك القدرة على التمييز.
نسأل دائماً:
من طرح الفكرة؟
متى طُرحت؟
لماذا طُرحت الآن؟
من يمول المنصات التي تروج لها؟
ما الجهات التي تدعمها؟
وما النتائج التي ستترتب عليها إذا تحولت إلى قانون أو سياسة عامة؟
فالدولة التي لا تصنع أجندتها بنفسها، قد تجد نفسها تنفذ أجندات الآخرين وهي تظن أنها تدير شؤونها الداخلية.
إن حماية القرار العراقي لا تكون برفض العالم، وإنما ببناء وعي وطني قادر على التعامل مع العالم من موقع الندية والمصلحة الوطنية؛ فالسيادة ليست شعاراً يُرفع، وإنما قدرة سياسية وقانونية واقتصادية ومجتمعية على أن يقرر العراقيون أولويات بلدهم بأنفسهم.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يأتي التأثير من الخارج، فالتأثير الدولي جزء من طبيعة العلاقات بين الدول، وإنما المشكلة حين يتحول الداخل إلى ساحة لتنفيذ أولويات لا يعرف المجتمع مصدرها، ولا أهدافها، ولا الجهة التي ستستفيد من نتائجها.
وهنا تبدأ مسؤولية الوعي الوطني:
أن نقرأ ما وراء الشعارات، لا أن نكتفي بترديدها.




