روبوتات الامم المتحدة..!
عبد الزهرة محمد الهنداوي ||

من الواضح ، أن البشرية عبرت خلافاتها حول الحرب والسلام والحدود والنفط والمناخ، والمياه، والمضايق، لتدخل في منطقة اخرى وصراع مختلف بطله الذكاء الاصطناعي، بعد ان دخل لاعب جديد إلى المعركة وهو الروبوت !!
كنتُ متواجدا في أروقة الأمم المتحدة، وخلال اجتماعات الجمعية العامة في دورتها الحادية والثمانين، تابعت كلمات الزعماء من على منصتها ، فكان الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة، لكن بصورة مختلفة بين خطابين، أحدهما يقرع جرس الخطر، والآخر يفتح أبواب التفاؤل.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، حذّر من المخاطر التي يمكن أن يحملها الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، ومن احتمال أن تتحول التقنيات الذكية إلى أدوات قادرة على إحداث أضرار واسعة، وصولاً إلى سيناريوهات تجعلنا وكأننا نتابع أفلاما من الخيال العلمي.. روبوتات تتطور قدراتها، وتخرج عن السيطرة، ثم تبدأ رحلة السيطرة على كوكبنا!
وبينما كان غوتيريش يستشرف نهاية محتملة للعالم على أيدي الروبوتات، ولعل تحذيره هذا يأتي من باب ابراء الذمة مع قرب انتها ولايته، بنهاية هذا العام، جاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي بحث كثيرا عن السيدة الاولى في اروقة القاعة، قبل ان يقول للعالم.. لاتصدقوا غوتيريش! فهو يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة هائلة لتغيير وجه الحياة نحو الأفضل، حتى انه غير اسمه الى الذكاء الخارق او الفائق، ومنحه الاختصار (SI) بدلا من (AI)، ولم يترك ترامب المنصة من دون أن يوجه سهامه الساخرة إلى تحذيرات غوتيريش، مستشهداً بما قيل قبل سنوات عن أن التغير المناخي سيدمر الحياة على الأرض، ثم مضت السنوات، كما قال، وما زالت الحياة مستمرة.!!!، وهذا ما دعا بلاده الى الانسحاب من اتفاقية المناخ!!
وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مشهد طريف.. غوتيريش ينظر إلى المستقبل من نافذة الخوف، وترامب ينظر إليه من نافذة التفاؤل، وبين النافذتين يقف الروبوت، حائرا لا يعرف فيما اذا كان منقذا للبشرية ام متهما بالقضاء عليها؟!!
وبين السخرية والخوف ثمة سؤال يطل براسه، هل المشكلة فعلاً في الروبوت ام في اليشر؟
فالروبوت لا يقرر وحده أن يشن حرباً، ولا يستيقظ صباحاً ليتناول فطوره (بيض عيون) ثم يقرر في لحظة السلطنة بين (استكان الشاي والسيگارة)، السيطرة على البشر.!! فالإنسان هو الذي يصنعه، ويبرمجه، ويمنحه الصلاحيات، ويحدد له المهمة.
ولذلك، ربما يكون الخطر الأكبر ليس أن تتمرد الروبوتات على البشر، وإنما أن يستخدمها البشر ضد البشر.
وهذا يحيلنا الى استنتاج مفاده اننا لن نشهد يوماً روبوتات معدنية تجوب شوارع بغداد أو البصرة، وهي تطاردنا (زنگة زنگة) كما في أفلام هوليوود، لكننا قد نشهد شيئاً أكثر هدوءاً وخطورة، .. اذ قد نشهد نظاماً ذكياً يقرر من يحصل على وظيفة، ومن يحصل على قرض الاسكان، ومن يُراقب طلاب البكلوريا في الامتحان.!!
وهنا تصبح القضية أكبر من روبوتات غوتيريش! .. إنها قضية من يملك الذكاء الاصطناعي الذي سيصبح خارقا، وفقا لترامب، ، ومن يضع قواعده، ومن يراقب استخدامه، ومن يُحاسب عندما تخطئ الآلة.
بين غوتيريش وترامب، اللذان لايمتلك اي منهما الحقيقة ، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أعظم فرصة لخدمة الإنسان، وفي الوقت نفسه، يمكن أن يصبح أخطر أداة إذا وقع في الأيدي الخطأ.
والمفارقة، اننا نحن البشر نخشى من هجوم روبوتي على كوكبنا، بينما مازلنا عاجزين عن الاتفاق على كيفية إدارة الأرض التي نسيطر عليها بالفعل!
لذلك، قبل أن نسأل.. هل يمكن للروبوتات ان تسيطر فعلا على الكوكب؟ وهذا السؤال يستبطن سؤالا اخر .. هل بإمكاننا نحن البشر أن نتفق على قواعد نحترمها تمنع بعضنا من استخدام الروبوتات للسيطرة على بعضنا الآخر؟
فإذا عجزنا عن الإجابة، وقطعا سنعجز، فقد لا نحتاج إلى انتظار الروبوتات كي تستولي على العالم… ربما يكفي أن نترك مفاتيحه للبشر.




