الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

رواتب الموظفين مؤمّنة.. من سيؤمّن قوت العاطلين والكسبة؟!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

 

تؤكد اللجنة المالية البرلمانية أن رواتب الموظفين والمتقاعدين مؤمّنة، وهذا أمر مهم وواجب على الدولة، لكن السؤال الذي يبدو غائباً عن المشهد: ماذا عن الذين لا يتقاضون راتباً حكومياً أصلاً؟ ماذا عن الكاسب، وصاحب البسطة، وصاحب المحل الصغير، والعامل اليومي، والعاطل عن العمل، وصاحب المشروع المتعثر؟

المشكلة ليست في تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين، وإنما في أن تتحول الرواتب إلى المعيار الوحيد لقياس سلامة الإقتصاد، بينما هناك شريحة واسعة تعتمد على السوق والقطاع الخاص والعمل اليومي لتأمين قوتها.

الأخطر مما تقدم أن تأتي في الوقت نفسه حملات لإزالة البسطيات والتجاوزات وإغلاق بعض الأنشطة التجارية، من دون أن يجد المواطن البسيط بديلاً إقتصادياً يحفظ له مصدر دخله.

وهذا حصل فعلاً من خلال الحملات البلدية، نعم، تنظيم الشوارع والأسواق مطلوب، والقانون يجب أن يُطبق، لكن تطبيق القانون لا يعني إلغاء مصدر رزق الناس من دون توفير البديل.

العراق بحاجة إلى أن ينتقل من سياسة «تأمين الراتب» إلى سياسة تأمين فرص الدخل والعمل، فما قيمة أن نؤمّن رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين، بينما نترك شاباً عاطلاً عن العمل يبحث عن فرصة ولا يجدها؟ وما فائدة إستقرار راتب الموظف إذا كان السوق نفسه مضطرباً، والأسعار تتأثر بسعر الصرف، وأصحاب الأعمال الصغيرة يعيشون تحت ضغط الإيجارات والضرائب والرسوم والإجراءات؟ إن الإقتصاد لا يقوم بالوظيفة الحكومية وحدها.

القطاع الخاص، والكسبة، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والعمال اليوميون، هم أيضاً جزء من الإقتصاد، بل إن حماية هؤلاء تعني حماية السوق وحركة البيع والشراء وتوفير فرص العمل.

لذلك فإن المطلوب ليس مواجهة الكسبة، وإنما تنظيمهم وإحتضانهم وإدخالهم في الإقتصاد الرسمي تدريجياً، عبر أسواق نظامية، وإيجارات مناسبة، وقروض ميسرة، وإعفاءات أو تخفيضات مؤقتة، ومشاريع صغيرة تستطيع استيعاب العاطلين.

في ظل التوترات الإقليمية والضغوط الإقتصادية، فإن تجاهل هذه الشريحة ليس مجرد مشكلة إقتصادية؛ بل يمكن أن يتحول إلى مشكلة إجتماعية.

الحكومة لا ينبغي أن تسأل فقط: هل أستطيع دفع الرواتب؟ بل عليها أن تسأل أيضاً:
كم فرصة عمل صنعت؟
كم مشروعاً صغيراً أنقذت؟
وكم عائلة إستطاعت أن تؤمّن قوتها من عملها لا من راتب الدولة؟

تأمين الرواتب واجب، لكن تأمين فرص العمل واجب أيضاً.

فالدولة التي تحمي راتب الموظف وتحمي في الوقت نفسه رزق الكاسب والعامل وصاحب المشروع، هي التي تبني إقتصاداً مستقراً.

أما أن نحمي راتباً ونضيّق على مصدر رزق آخر، فهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة قبل أن تتحول الضغوط الإقتصادية إلى ضغوط إجتماعية أكبر.

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع