الاثنين - 05 اكتوبر 2026

ألف رواية.. في محاولة اختطاف الطائرة الإماراتية..!

منذ ساعتين
الاثنين - 05 اكتوبر 2026

 رياض الفرطوسي ||

 

 

في صباح الأربعاء 30 سبتمبر 2026 أقلعت الرحلة FZ1073 من دبي إلى تل أبيب، وبعد نحو ساعتين بدأت الطائرة تفقد ارتفاعها بسرعة وانحرفت بحدة نحو الشمال. تتباين الأرقام بين المصادر: بعضها يتحدث عن هبوط يقارب 17 ألف قدم في أقل من دقيقتين، وبعضها عن نحو 14 ألف قدم في أقل من 30 ثانية. وسجّل مسار الرحلة تحول رمز الإرسال إلى 7500، وهو الرمز الدولي للتدخل غير المشروع، ثم عودته إلى 7700 عند الاقتراب من تبوك. وانتهت الرحلة بهبوط اضطراري في المطار السعودي.

هذا هو الهيكل الذي لا خلاف عليه. أما ما بعده فقد تحول إلى خمس لغات مختلفة لوصف حادث واحد.

أولى هذه اللغات لغة الشركة. فقد أكدت (فلاي دبي) وقوع (مشادة) داخل قمرة القيادة، وقالت إن الأسباب والدوافع غير معروفة وتخضع لتحقيق رسمي.

والثانية لغة السعودية. فبعد تحقيق أولي شاركت فيه فرقة أمنية إماراتية، قالت وزارة الداخلية إن مساعد الطيار اعتدى على القائد، فأُصيب كلاهما بإصابات متفاوتة. ولم تقدم الوزارة تفاصيل أخرى، ولم تستخدم وصف الإرهاب. وبعد تحسن حالتيهما غادر القائد ومساعده إلى أبوظبي صباح الخميس 1 أكتوبر.

والثالثة اللغة الإسرائيلية، وكانت الأسرع. تحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن أن أحد الطيارين طعن الآخر وحاول إسقاط الطائرة، وقال إنه خضع لتلقين إسلامي متطرف، ولم يقدّم دليلاً علنياً. وقالت قوات الدفاع الجوي الإسرائيلية إن القائد إماراتي، بينما أعلنت السفارة الهندية أنه هندي الجنسية، وهو ما تؤكده المصادر الأخرى. وفي الأوساط الإسرائيلية وُجهت اتهامات للشركة بخرق اتفاق يحدد جنسية الطيارين والعاملين على خطوطها، وهو ما لم تؤكده الشركة.

والرابعة اللغة الأمريكية. فقد لمح الرئيس دونالد ترامب إلى أن مساعد الطيار قد يكون مرتبطاً بإيران، وقال إنه لا يملك تفاصيل بعد، وروى مشهد السيطرة على الطائرة بتفاصيل لم تؤكدها جهة أخرى.

والخامسة اللغة الإماراتية الرسمية، وهي الأخطر. فقد أعلن النائب العام الإماراتي حمد الشامسي أن التحقيقات كشفت شروع مساعد قائد الطائرة في تنفيذ عملية إرهابية، إذ اعتدى على القائد داخل القمرة بفأس الطوارئ وحاول السيطرة على أدوات التحكم. وهذا يجيب عن سؤال تكرر على المنصات: كيف دخل السلاح؟ الأداة من تجهيزات القمرة نفسها. لكن النائب العام شدد على أن التحقيقات لا تزال جارية لكشف الدوافع والصلات المرتبطة بالواقعة، وأن النتائج النهائية ستعلن بعد استكمال الإجراءات.

وبين هذه اللغات جاءت التسريبات. فقد نقلت وسائل إعلام عربية عن مصادر أن مساعد الطيار تأثر بأفكار متطرفة خلال وجوده سابقاً في سوريا، وأن سلطنة عمان منعته من الطيران قبل ذهابه إلى الإمارات. وذكرت مصادر مطلعة، بينها مسؤولون إسرائيليون، أنه أبلغ المحققين بأنه خطط للهجوم قبل التحاقه بالشركة، وأنه كان يعتزم اختطاف طائرة في رحلة سابقة إلى تل أبيب لكنه تراجع. وهذه كلها روايات لمصادر لم تكشف عن هويتها، ولم تتبنَّها النيابة. ولم تعلن السلطات الإماراتية اسمه رسمياً ولا التهم الموجهة إليه.

فما الثابت إذن؟ وقعت مواجهة عنيفة في القمرة، وأصيب القائد الهندي سميت ماتشهار بجروح خطيرة، ووقع هبوط حاد، ثم أمكن للركاب والطاقم الدخول إلى القمرة وإخضاع المهاجم واستعادة السيطرة، وتولى طيارون من الشركة كانوا على متن الرحلة الهبوط في تبوك. وأعلنت هيئة الطيران المدني الإماراتية أن القائد عاد بسلام إلى الإمارات وهو في حالة جيدة ويتلقى العلاج.

أما المتنازع عليه فهو الدافع، وما إذا كانت هناك جهة وراء الهجوم، وعلاقة المتهم بأي تنظيم أو دولة، والتوظيف السياسي للحادث في سياق العلاقات الإماراتية الإسرائيلية. ولا يوجد حتى الآن ما يحسم أياً من هذه النقاط خارج التسريبات.

وفي هذا الفارق بين ما ثبت وما قيل تكمن أزمة التلقي. فتوقيت التصريحات السياسية، من تل أبيب وواشنطن، سبق اكتمال التحقيق، وسبق حتى بيان الإمارات الرسمي. ومن يتبنى أياً منها قبل التحقق يخدم الجهة التي قدمتها أولاً، سواء قصد ذلك أم لم يقصد. وفي المقابل فإن تأخر البيانات الرسمية وإيجازها يترك المجال مفتوحاً للتأويل. ولا تكسب الجهات الرسمية الثقة بالتأخير ولا بالإيجاز، بل بالإفصاح المبكر عن المؤكد، والفصل الواضح بينه وبين المرجح.

يظل الحكم النهائي على الحادث رهن ما ستعلنه النيابة الإماراتية، وما سيصدر عن التحقيقات الفنية في الطائرة. وإلى أن يصدر ذلك، فالقراءة الأدق أن الواقعة حقيقية وخطيرة، وأن ما بعدها لا يزال معركة روايات.