الاثنين - 05 اكتوبر 2026

الحب والولاء لآل البيت بين السنة والشيعة..!

منذ 34 دقيقة
الاثنين - 05 اكتوبر 2026

د. علي المؤمن ||

 

 

 

من الأمور المهمة التي يتعامل فيها بعض الشيعة والسنة تعاملاً سطحياً عاطفياً، هي قضية العلاقة بآل البيت؛ فهذا البعض يردد بأن السنة يحبون آل البيت أيضاً، وأن التاريخ يشهد بذلك، وبالتالي؛ لا فرق في محبة آل البيت بين السنة والشيعة، والحال؛ أن الفرق في هذا المجال جوهري وعميق.

صحيح أن السنة والشيعة (وليس منها النواصب) يشتركون في حب آل البيت وإجلالهم واحترامهم، إلّا أنّ طبيعة هذا الحب تختلف اختلافاً جوهرياً بين الطرفين؛ فحب السني لآل البيت منشؤه العاطفة، بينما حب الشيعي لآل البيت قاعدته الولاء، وهو الفرق بين الحب العاطفي وبين الولاء والانتماء؛ فحين يتغنى السني بالإمام علي والزهراء والحسن والحسين، ويحترم الأئمة الأطهار؛ فإنه يعبّر عن حب مجرد من الولاء والانتماء العقدي والفقهي، وقد يصل حبه لهم مستوى الدعم السياسي، كما حصل في حقب تاريخية كثيرة، لكنه دعم غير مقترن بالانتماء، بل مقترن بتحسس مظلوميتهم وحقانيتهم الشخصية؛ إذ أن عقيدة أهل السنة تفرص على السني أن يجمع بين محبة أهل البيت ومحبة خصومهم وأعدائهم وقاتليهم، لأنها عقيدة قائمة على قاعدة الجمع بين حب آل البيت، وحب جميع الصحابة والخلفاء والسلاطين الأمويين والعباسيين والأيوبيين، وإن كانوا متخاصمين، وقد قتل بعضهم الآخر، وانحرف قسم منهم عن جادة العقيدة والسلوك الديني، وخرج قسم آخر على خليفة رسول الله الإمام علي وقاتلوه.

وهذا الجمع، عند السني، في الحب بين المتناقضين والمتعارضين، لا يعني أنه يوالي آل البيت والصحابة معاً وبالمستوى نفسه، بل أنه يحب آل البيت وأئمتهم، لكنه في الجانب العقدي والفقهي والسياسي، يتبع ويوالي الخلفاء والسلاطين والمحدثين والمتكلمين والفقهاء الذين يقفون في الجهة المقابلة لأئمة آل البيت، وهي تبعية تصل الى حد التقديس. ورغم أن السني يعترف – غالباً – بأن طريق آل البيت هو الأقرب الى رسول الله، لكنه – في الوقت نفسه – يأخذ حديثه من أبي هريرة والبخاري ومسلم، كما يأخذ عقيدته من الأشعري، وفقهه من مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل، ولا يأخذها من الباقر والصادق، وهو تعارض تسمح به العقيدة السنية كما ذكرنا.

أما الشيعي؛ فحبه لأهل البيت قائم على أساس عقدي وليس عاطفي وحسب، وهو أساس يفرض على الشيعي أن يتبع أئمة آل البيت في الحديث والعقيدة والفقه والسيرة والسياسة. كما أن عقيدة التشيع لا تسمح للشيعي أن يجمع بين الولاء لآل البيت وبين حب خصومهم وأعدائهم وقاتليهم، بل يفرض عليه، هذا الولاء العقدي الشامل، البراءة من أعدائهم.

وحتى في الاجتماع السياسي والديني؛ فإن العقيدة السنية لا ترى تعارضاً بين أن يكون السني محباً لآل البيت ومتعاطفاً معهم ومع مظلوميتهم، وبين أن يكون منتمياً وموالياً للاجتماع السياسي والديني للأنظمة الأموية والعباسية والأيوبية والعثمانية والسعودية والبعثية التي ذبحت أئمة آل البيت وذراريهم وشيعتهم، لأن الفقه السياسي السني لديه التكييفات الشرعية والعقلية التي تفرض على السني القبول بهذا التناقض.

ما أود قوله في هذا المجال؛ إن المصالح الشخصية والسياسية والاجتماعية ينبغي ألّا تدخل في حرف الثوابت العقدية والفقهية؛ فالشيعة والسنة أخوان في الدين والأوطان والجغرافيا والمصالح، والخلاف بينهم في الجانب العقدي والفقهي خلاف مقبول ومحترم، ولكن ينبغي عدم تكييف هذا الخلاف على أساس المصالح، كما ينبغي ألّا يتحول الى مادة للصراع السياسي والمجتمعي، وهو اختلاف وتعدد لا يخرج أياً من المدرستين عن الإطار العام للإسلام وشرعه، كما يقول أبو الحسن الأشعري ((اختلف الناس بعد نبيهم على أشياء كثيرة، ضلّل بعضهم بعضا، وبرّأ بعضهم من بعض؛ فصاروا فرقاً متباينين وأحزاباً متشتتين، إلّا أنّ الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم))؛ بالرغم من المحاولات الحثيثة والمستمرة التي ظلّت بعض التيارات التكفيرية تمارسها من أجل إخراج هذه المدرسة أو تلك عن دائرة الإسلام، تمهيداً لاستئصالها عبر فتاوى إهدار الدم واستباحة الأعراض والأموال، بدلاً من الحوار ومحاولات تقنين الخلاف كلون من ألوان الاعتراف المتبادل بأحقية كل طرف في الاحتفاظ بأحكامه وقضاياه التي يختلف فيها مع الآخر، دون أن يؤدي ذلك إلى الإلغاء والإقصاء والتكفير.
.

وقد ساهمت السلطات غالباً في دعم تيارات الإقصاء والتكفير بأسباب القوة؛ لتحقيق أهداف سياسية، في مقدمها استئصال المعارضة التي تمثلها الطائفة المختلفة معها مذهبياً، وبذلك؛ تلتقي التيارات التكفيرية مع السلطة عند مصلحة مشتركة عنوانها القضاء على الآخر المذهبي، فقد ظل أتباع أهل البيت الأكثر عرضةً لأشكال الاصطفاف هذه، والتي تستغل الخلاف الكلامي والفقهي والتاريخي لشن حملات التكفير وإهدار الدم؛ الأمر الذي أدى إلى استئصال المجتمعات والكيانات الشيعية استئصالاً كاملاً في كثير من مناطق العالم الإسلامي، كشمال إفريقيا ومصر ومعظم تركيا وبلاد الشام، بالرغم من أنهم كانوا يمثّلون وجودات غاية في القوة وسعة الانتشار.