السبت - 26 سبتمبر 2026

هل سيعود الإرهاب إلى العراق من بوابة جديدة؟!

منذ 47 دقيقة
السبت - 26 سبتمبر 2026

أثير الشرع ||

 

 

 

في خضم التوترات التي تعصف بالمنطقة، لا تكمن الخطورة فقط في الصواريخ والحدود والممرات البحرية، وإنما في إحتمال عودة الإرهاب العابر للحدود إلى المشهد من جديد.

وهنا تبرز طرابلس اللبنانية بإعتبارها واحدة من المناطق التي تستحق المتابعة الأمنية، لا لأنها مدينة إرهابية، فهذا توصيف غير دقيق وظالم لأهلها، وإنما بسبب تأريخ موثق لوجود شبكات وتيارات متطرفة تمكنت في مراحل سابقة من إستقطاب بعض الشباب وإرسال مقاتلين إلى ساحات الصراع في سوريا وغيرها ،والأكثر أهمية بالنسبة للعراق أن الأمر لم يعد مجرد تأريخ.

ففي أيلول الجاري، أعلنت جهة عراقية رسمية أن معلومات إستخبارية ساعدت في تتبع إرهابي لبناني مرتبط بتنظيم داعش، كان قد غادر لبنان وإنتقل إلى العراق عام 2021، قبل أن تتمكن القوات العراقية من إستهدافه في ديالى وقتله مع عدد من عناصر التنظيم.

هذه الواقعة لا تثبت وجود مشروع جديد لتصدير الإرهاب من طرابلس إلى العراق، لكنها تكشف أن شبكات الإرهاب لا تزال قادرة على عبور الحدود وإستثمار الأزمات والفراغات الأمنية.

وهنا تبدأ المخاوف الحقيقية؛ فإذا فشلت التسويات السياسية في المنطقة، وإستمر التصعيد الأميركي ـ الإيراني، أو آتسعت المواجهة، أو دخلت سوريا ولبنان في مرحلة جديدة من عدم الإستقرار، فإن التنظيمات المتطرفة قد تجد فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وإستثمار الآنقسامات المذهبية والاجتماعية.

والخطر الأكبر أن تعود المنطقة إلى المعادلة القديمة: شيعة في مواجهة سنة، وسنة في مواجهة شيعة، والعراق ولبنان وسوريا ساحات للصراع.

هذه المعادلة هي التي دفعت شعوب المنطقة سابقاً أثماناً باهظة، وفتحت الطريق أمام تنظيمات مثل داعش والقاعدة لإستثمار الخوف والكراهية لذلك فإن السؤال ليس: هل طرابلس ستصدر الإرهاب إلى العراق؟

السؤال الأكثر دقة هو: هل يمكن أن تتحول الأزمات الحالية إلى بيئة جديدة تسمح للإرهاب العابر للحدود بإعادة بناء نفسه؟والإجابة تحتاج إلى يقظة أمنية وسياسية، وليس إلى إتهام مدينة أو طائفة بأكملها.

العراق تحديداً لا يستطيع أن يسمح بتكرار تجربة 2014، ولا أن ينتظر حتى تتحول الخلايا الصغيرة إلى تنظيمات كبيرة.

فالوقاية تبدأ من الإستخبارات ومراقبة حركة العناصر المتطرفة والتمويل والحدود، ولكنها تبدأ أيضاً من إغلاق أبواب الفتنة الطائفية.

وفي لبنان، كما في العراق وسوريا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تستغل أطراف سياسية أو جماعات مسلحة الإنقسامات المذهبية لإعادة إنتاج نفوذها.

وقد حذرت دراسات أمنية من قابلية بعض البيئات الهشة للإستقطاب عندما تجتمع البطالة والتهميش والإحتقان الطائفي مع شبكات التجنيد والتطرف.

لذلك، فإن حماية العراق لا تكون فقط بالسلاح، حماية العراق تبدأ أيضاً بمنع تحويل العراقيين إلى وقود لصراع مذهبي جديد.

العراقي السني ليس خصماً للعراقي الشيعي، والعراقي الشيعي ليس خصماً للعراقي السني، وكذلك اللبناني والسوري.

المشكلة ليست في الطائفة، وإنما في من يوظف الطائفة سياسياً وأمنياً لإنتاج الصراع، وإذا كانت المنطقة تتجه إلى تسويات كبرى، فإن منع عودة الإرهاب يجب أن يكون جزءاً أساسياً من هذه التسويات.

أما إذا فشلت التسويات، وإستمر التصعيد، وبقيت سوريا ولبنان والعراق ساحات مفتوحة للتجاذب الإقليمي والدولي، فإن الفراغ الذي ينشأ من الصراع قد يكون الفرصة التي تنتظرها التنظيمات المتطرفة.

ولهذا يجب أن يكون التحذير واضحاً: لا نريد أن نكتشف بعد سنوات أن الإرهاب عاد من بوابة جديدة، بينما كانت المؤشرات الأولى أمام أعيننا.

طرابلس ليست متهمة، ولبنان ليس متهماً، والعراق ليس ساحة مستباحة، لكن الحدود المفتوحة، والأزمات السياسية، والإنقسام الطائفي، والفراغ الأمني، كلها بيئات يمكن أن يستثمرها الإرهاب.

وهنا تقع مسؤولية الدول: أن تمنع الحرب من أن تتحول إلى فوضى،
والخلاف السياسي إلى صراع مذهبي، والإحتقان الإجتماعي إلى بيئة للتطرف، فالإرهاب لا يحتاج إلى وطن جديد…
إنه يحتاج فقط إلى فراغ جديد.

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع