نصرالله.. أسطورة المقاومة في زمن الخنوع والاستسلام..!
المهندس مهدي حسين الزبيدي ||
26/ 9/ 2026

مهدي حسين الزبيدي
لعقودٍ خلت، وتحديداً منذ ثمانينيات القرن الماضي، برزت في منطقتنا قوةٌ للمقاومة والممانعة، نمت وترعرعت مع بزوغ فجر الثورة الإسلامية في إيران، بقيادة الإمام الخميني قدس سره. ومن رحم تلك البيئة الجهادية وُلدت مدرسةٌ جديدة في المقاومة، مدرسةٌ صنعت رجالاً أشداء، أقوياء بالله، لا يهابون العدو، ولا تأخذهم في الله لومة لائم.
وفي هذه المدرسة كان الرجال يتعاقبون على حمل الراية، يرحل شهيدٌ بعد أن يصنع مجداً، فيتقدم من بعده من يحمل الراية بعزمٍ أشد، وبأسٍ أمضى، وإرادةٍ أصلب. وهكذا لم تكن الشهادة نهاية الطريق، بل كانت امتداداً للمشروع، وكان كل شهيد يترك خلفه رجالاً أكثر ثباتاً وإصراراً على مواصلة المسيرة.
ومن هذه البيئة المجاهدة الصابرة المعطاء برز السيد حسن نصرالله رضوان الله تعالى عليه، ليصبح واحداً من أبرز رموز المقاومة في عصره، وقائداً إسلامياً امتلك حضوراً تجاوز حدود لبنان والمنطقة، وأصبح اسمه مرتبطاً في وجدان كثيرين بمعاني الثبات والشجاعة والمقاومة.
كانت شخصية السيد نصرالله مزيجاً نادراً من الصلابة والشجاعة والفطنة والذكاء، ومن العقيدة الراسخة المتجذرة في عمق الرسالة المحمدية الأصيلة. وهو سليل نسبٍ كريم، من نسل رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن ذرية الزهراء وعلي المرتضى عليهما السلام، فاجتمع في شخصيته شرف النسب مع شرف الموقف، وعراقة الانتماء مع صدق الالتزام.
ولعل من أعظم ما أنجزه السيد حسن نصرالله رضوان الله تعالى عليه لم يكن في ميدان القتال وحده، بل في بناء الإنسان العقائدي الرسالي، فقد أسهم في صناعة جيلٍ تربى على الإيمان والصبر والثبات وتحمل المسؤولية، حتى أصبح هذا البناء عصياً على الهدم والتصدع، صلباً ثابتاً، شامخاً أمام المحن، قوي الإرادة، لا تقتلع جذوره العواصف ولا تلوي ذراعه الشدائد.
وهذا هو الإرث الحقيقي الذي تركه السيد نصرالله: رجالٌ إذا نزلوا ميدان القتال كانوا أصحاب بأسٍ وشدة، وإذا دخلوا ميدان البناء كانوا بناةً ومجاهدين، وإذا واجهوا الحياة كانوا مكافحين صابرين. رجالٌ تربوا على أن النصر لا يُقاس بلحظةٍ عابرة، وإنما بثبات الموقف وصحة الطريق والاستعداد الدائم لدفع ثمن المبادئ.
ومن هنا أصبح هذا البناء الصامد شوكةً في طريق مشاريع الهيمنة والتطبيع والخضوع، وجداراً صلباً في مواجهة الهيمنة الصهيوأمريكية، وأثبت أن الأمة حين تمتلك الإيمان والإرادة والوعي تستطيع أن تقول «لا» لمن ظن أن القوة العسكرية والسياسية قادرة على إخضاع الجميع.
وقد امتلك السيد نصرالله من الفصاحة وقوة الخطاب وحضور الكلمة وصدق الموقف ما جعله شخصيةً استثنائية في زمانه. لم تكن كلماته مجرد خطابٍ سياسي، بل كانت تصل إلى القلوب، وتمنح الأمل للمحبين، وتبعث الطمأنينة في نفوس الخائفين، فيما كانت تقلق خصومه وتربك حسابات أعدائه.
وكانت فلسطين حاضرةً في قلب مشروعه ومواقفه، فوقف إلى جانب قضيتها دون تردد، ودافع عن مقدسات الأمة وكرامتها، وساند المظلومين، ورفض أن تتحول فلسطين إلى قضيةٍ قابلة للمساومة أو النسيان. وقد دفع في سبيل هذا الموقف أغلى ما يملك، وختم حياته شهيداً وهو ثابتٌ على طريقه، لم يتنازل عن مبدئه، ولم يساوم على قضيته، ولم يهادن في الحق الذي آمن به.
وهكذا رحل السيد نصرالله، لكنه لم يرحل عن ذاكرة محبيه، لأن الرجال العظام لا تنتهي حياتهم بانتهاء أعمارهم، إنما تبقى سيرتهم حاضرةً بما تركوه من مواقف، وبما صنعوه من رجال، وبما غرسوه من قيم.
وحين نستذكر هذه الشخصية، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل الواقع المرير الذي تعيشه الأمة اليوم، واقع الخنوع، وخذلان الحق، والتردد أمام المعتدي، حتى بلغ الأمر ببعض المواقف أن تقف إلى جانب المعتدي والمحتل، أو أن تبحث له عن الأعذار، وكأن كرامة الأمة أصبحت أمراً ثانوياً أمام حسابات الدنيا ومصالحها العابرة.
وهنا تعود إلينا عاشوراء بكل ثقلها ومعانيها، فالموقف في جوهره واحد: إما أن يقف الإنسان مع الحق حين تحين ساعة المنازلة، وإما أن يختار طريقاً آخر، ثم يكتشف متأخراً أنه خسر أعظم ما يملك: التوفيق الإلهي وكرامة الموقف.
لقد قال الحرّ بن يزيد الرياحي، حين أدرك حقيقة الموقف:
«أُخيّر نفسي بين الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئاً»، فاختار طريق الحق بعد أن كادت الدنيا أن تصرفه عنه.
وما أكثر الذين ينبغي لهم اليوم أن يتأملوا في هذه اللحظة التاريخية: إن ما يُمنح للعدو من خضوعٍ وتنازلٍ وذل، لن يصنع احتراماً دائماً، ولن يضمن أمناً، ولن يمنع أطماع من لا يرى في الضعف إلا فرصةً جديدة للضغط والابتزاز. فالتاريخ لا يحفظ للمترددين أعذارهم، وإنما يحفظ مواقف الرجال ساعة الامتحان.
أما أهل الثبات، فإنهم وإن دفعوا ثمناً باهظاً، يبنون لأنفسهم ولأمتهم مكاناً في صفحات التاريخ. وسيبقى نهج المقاومة والثبات حاضراً في وجدان الأحرار، لأن الحق لا يموت بموت أصحابه، والشهيد لا يغيب حين تبقى رسالته حيّةً في الرجال الذين حملوا رايته من بعده.
فسلامٌ كل السلام على السيد حسن نصرالله، حيث عاش مجاهداً شجاعاً، صلباً مقاوماً، ثابتاً على مبدئه وعقيدته؛ وسلامٌ عليه يوم ارتقى شهيداً، ثابت القلب، مرفوع الرأس، لم يساوم ولم يهادن، ومضى إلى ربه وقد أدى واجبه.
وسلامٌ عليه يوم يُبعث شهيداً، وقد روى بدمه الطاهر طريقاً آمن به حتى النهاية.
إنها لحظة المنازلة التي تكشف معادن الرجال، وهي في جوهرها امتدادٌ لنداء عاشوراء: «ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً».
فيا من تتصدون للمواقف، لا تغرنكم أيامٌ عابرة، ولا يغرنكم نعيمٌ زائل، ولا تجعلوا من الدنيا ثمناً لكرامةٍ لا تعوّض. فالأيام تمضي، والمواقع تتبدل، والإنسان لا يحمل معه في نهاية الطريق إلا ما قدم.
وقد قال تعالى:
**﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
رحمة الله ورضوانه على السيد حسن نصرالله، وعلى شهداء المقاومة، وحفظ أهل الثبات على الحق، وجعل دماء الشهداء نوراً يهدي السائرين، وعبرةً لمن أراد أن يعرف الفرق بين طريق العزة وطريق الخضوع.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.




