في أخلاقيات الحكم ومسؤولية الكلمة.. عندما يسبق الولاء الاستماع..!
علاء الطائي ||

ليس عيبًا أن تكون للأمة جذورها وعشائرها وأعرافها وذاكرتها الاجتماعية… هذه نسيجها وهذا عمقها وهذا سرّ بقائها عبر القرون…
لكن العيب أن تُختزل الأمة في زاوية واحدة.. وأن تُخاطب العالم بلغة لا يفهمها ولا يريد أن يفهمها.
الأمم لا تُقاس بحجم ماضيها فقط.. بل بقدرتها على تمثيل نفسها في الحاضر.. بلغة العصر وبوعي الدور… المسؤولية العامة ليست منصبًا يُتبختر به بل أمانة تُحمل… والكلمة في المنابر الدولية ليست ترفًا خطابيًا بل تمثيل الدولة بأكملها… فحين يخاطب المسؤول العالم بلغة العشيرة لا يفشل في اللغة فقط بل يفشل في الوعي بالدور. والوعي بالدور شرط أولي لأي مسؤولية عامة.
والأمة التي لا تفرّق بين خطاب العشيرة وخطاب الدولة لا تفشل في الأداء فقط بل تفشل في فهم أن العراق ليس عشيرة.. والعالم ليس ساحة وأن الكلمة التي لا تُفهم في لندن أو نيويورك أو برلين قد تكون إهانة غير مقصودة لحضارة بابل وآشور وسومر… الأمة لا تحتاج مسؤولين “أصليين” أكثر من حاجتها إلى مسؤولين “محترفين”.
. المنصب أمانة
. والكلمة مسؤولية
. والتمثيل فن.
لكن الجرح الأعمق ليس في مسؤول بعينه.. ولا في منصب بعينه.. الجرح في تلك الطبقة التي أحاطت بالسلطة عبر التاريخ فأنتجت نظامًا لا يسمع إلا صوت المدح.. ولا يرى إلا وجه المادح.. السلطة التي لا تسمع إلا صوت المدح لا تعيش في الواقع.. بل تعيش في مرآة… والمرآة لا تعكس الحقيقة بل تعكس ما يريد صاحبها أن يراه.
من لا يسمع لا يرى.
والمسؤول الذي يشترط على الأمة الولاء أولًا.. ثم الطاعة ثم التزلّف.. ثم الثناء.. ثم التواصل.. لم يعد يحتاج إلى ناصح بل إلى مرآة… ومن يعطيه المرآة يبقى.. ومن يعطيه الحقيقة يُقصى… وهكذا تُصنع البطانة وتُقتل الحقيقة.. وتسقط الأمة.
هذه الظاهرة ليست جديدة.
هي أقدم مرض سياسي في التاريخ… في روما- وفي الأندلس- وفي الدولة العثمانية- وفي أوروبا قبل الثورات.. كان القاسم المشترك واحدًا.
. البطانة تنتصر
. والحقيقة تُقتل.
. والأمة تسقط.
ثم نصل إلى ما يجري في نيويورك… الأمر ليس حدثًا دبلوماسيًا عابرًا بل اختبار لمعنى السيادة ووعي الدور.
أي تصعيد أو حصار على إيران ستكون له تبعات ثقيلة على العراق “الغاز- الكهرباء- الحدود- التجارة- الدولار- التحويلات- الاستثمار- والأمن”… العراق غير مهيأ لحصار جديد… ومن يتصور أن العراق يمكن أن يبقى بمعزل عن هذا الصراع واهم.
ولإيران دور كبير في مواجهة داعش وكانت إلى جانب العراق في ظروف الحصار الجائر.
هذا لا يُنسى ولا يُجحد.
والسياسة رد جميل .
وموقف..ومسؤولية والقرارات المصيرية لا تُتخذ فردية.. بل تُطرح في إطار القوى السياسية ومؤسسات الدولة قبل الإعلان… لأن ما يُقال في نيويورك يُدفع ثمنه في بغداد والبصرة والموصل والفلوجة.
منذ سنوات كتبت.. ما أشبه اليوم بالأمس… من يخذل الحق في وقته يخذل نفسه غدًا.
وقصدت تحذيرًا… من يرى الحق واضحًا ثم يصمت.. سيدفع ثمن صمته.
فما العمل؟
لا بد أن نكون صادقين مع أنفسنا…الأمة التي تنتظر من مسؤول أن يسمعها إذا لم يكن يريد.. تضيّع وقتها.. والوقت الذي يُضاع في إقناع من لا يريد أن يسمع..خير نصفه في بناء وعي عام… والأمة التي تبني صوتًا جماعيًا لا فرديًا هي التي تُسمع… لأن الفرد يُقصى لكن الجماعة تُسمع.
لا تكن مرآة.. ولا تكن سيفًا. كن صوتًا هادئًا ثابتًا.. لا يشتم ولا يتزلّف..الصوت الذي لا يُشترى هو الصوت الذي يبقى… واعمل على المدى الطويل… فسقوط الأمم لا يبدأ بحرب.. بل بثقافة… وبناء الأمم لا يبدأ بمسؤول.. بل بجيل.
.المنصب أمانة
.والكلمة مسؤولية
. والتمثيل فن.
والأمة التي تسمع فيها صوت المدح فقط تسمع قريبًا صوت سقوطها… والمسؤول الذي لا يسمع من الأمة إلا إذا تزلّفت ليس مسؤولًا عليها بل عبء عليها…الأول يُطاح به والثاني يُحاسب.
فيا أمةً حملت حضارة عمرها آلاف السنين..لا تنتظري من يحمل عنكِ عبء الكلمة.
الكلمة التي لا تُقال في وقتها تُقال في جنازتكِ…والصوت الذي لا يُسمع في الحياة يُسمع في الممات…فاختاري أصواتكِ قبل أن تختاركِ الجنائز.




