السيد الأمة الإمام الثالث عشر..!
أمين السكافي ||

ليس كل الذين يموتون شهداء يُغلق الموت أبوابهم، فبعضهم حين يرحل تبدأ سيرتهم في الارتفاع، كأن الجسد حين يسقط على الأرض، تصعد روحه إلى مكان لا تصل إليه يد الغياب.
وهكذا يبدو سيد العشق في ذاكرة الذين أحبوه ورأوا فيه أكثر من قائدٍ لمقاومة؛ رأوا فيه رجلًا حمل فكرة الانتظار حتى صارت في يديه مشروعًا، وحمل العشق حتى صار العشق عنده طريقًا إلى الشهادة.
ولذلك، في اللغة الرمزية التي لا تُقاس بالأرقام ولا تُحاكم إلى الحساب، يمكن أن نطلق عليه الإمام الشهيد الثالث عشر؛ لا باعتبار أن للأئمة عددًا آخر، حاشا، وإنما باعتباره صورةً أدبية لرجل أراد أن يعيش في زمن الغيبة كأنه واقف على عتبة زمن الظهور، يمهّد الطريق لمن سيأتي ، ومن غيره قد يستحق هذا اللقب .
كان يرى أن انتظار الإمام الحجة ليس جلوسًا على حافة الزمن، ولا دعاءً يُقال ثم ينتهي، بل مسؤولية تُبنى، ورجالًا تُربّى، ورايةً تُصان، وأرضًا تُهيّأ، وأجيالًا تتعلم كيف لا تنحني حين تعصف بها الريح.
ومن هنا بدأت الحكاية.
كانت المقاومة في بداياتها نواةً صغيرة، وثلةً من الرجال الذين يحملون إيمانهم وسلاحهم وقليلًا من الإمكانات، لكنه رأى في تلك النواة ما هو أبعد من حجمها. رأى فيها بذرة جيشٍ لم يولد بعد. فأخذ يبنيها على مهل السنوات، ويصنع من التجربة مدرسة، ومن الهزيمة درسًا، ومن الانتصار مسؤولية، ومن الرجال رجالًا.
كان الإعداد عنده ليس للسلاح وحده، بل للإنسان.
والتمكين لم يكن مجرد امتلاك القوة، بل امتلاك الإرادة التي تعرف متى تستخدم القوة، ولماذا، ومن أجل ماذا.
حتى تحولت تلك الثلة الصغيرة، في المخيال الذي صنعته عقود المقاومة، إلى جيشٍ بدريّ القوام والهمة والشجاعة؛ جيشٍ يحمل في ذاكرته بدرًا، وفي قلبه كربلاء، وفي عينيه فلسطين، وفي أفقه ذلك الغد الذي يسميه المؤمنون زمن العدل.
ولعل سر الحكاية كلها أن الرجل لم يكن يتعامل مع المقاومة كحدث عابر في تاريخ لبنان والمنطقة، بل كجزء من سلسلة طويلة تبدأ من كربلاء ولا تنتهي عند حدود الجغرافيا.
كان الحسين عنده ليس ذكرى تُبكى، بل عهدًا يُحمل.
وكان الحجة ليس اسمًا يُنتظر، بل أفقًا تُقاس به مسؤولية الحاضر.
وهكذا صار الطريق بين كربلاء والظهور، في هذه القراءة الرمزية، طريقًا من الدم والوفاء؛ طريقًا لا يعبره إلا من عرف أن بعض الجسور لا تُبنى من الحجر، بل من أجساد الرجال.
وحين جاءت لحظة الغياب، لم يعد السؤال: أين ذهب الرجل؟
فالذين أحبوه سيقولون إن بعض الرجال لا يذهبون.
إنهم يتحولون إلى ذاكرة.
إلى راية.
إلى صوت في الضمير.
إلى معنى يرفض أن يموت.
وإذا كان طريق الإمام الحجة يحتاج، في المخيال الروحي لعاشقي الانتظار، إلى جسرٍ يعبر عليه من زمن الغيبة إلى زمن الظهور، فإن الصورة الأسطورية لسيد العشق تقول إنه لم يضع أمام ذلك الطريق حجرًا ولا سيفًا، بل وضع قامته المهيبة.
وضعها فداءً للحسين، وفاءً للعهد، وإكرامًا للشهادة، وانتظارًا لذلك الإمام الذي آمن أن العدالة ستأتي يومًا، مهما طال الليل.
لهذا لا يصبح الشهيد في الذاكرة مجرد رجلٍ غاب.
بل يصبح الغياب نفسه شكلًا آخر من أشكال الحضور.
وهكذا، في أسطورة العشق التي لا تكتبها الأقلام وحدها، يبقى سيد العشق واقفًا بين كربلاء والانتظار؛ بين دم الحسين ووعد الحجة؛ بين زمنٍ مضى وزمنٍ يُنتظر.
الإمام الشهيد الثالث عشر… اسمٌ لا يضاف إلى مقام الإمامة، بل إلى قاموس العشق؛ رجلٌ أراد أن يمضي إلى الشهادة كما يمضي العاشق إلى موعده الأخير: لا يسأل ماذا سيبقى منه، بل يسأل ماذا سيبقى من العهد بعده.




