السبت - 26 سبتمبر 2026

الوفاء يُقاس بالمواقف: التاريخ لا ينسى من وقف..!

منذ 6 ساعات
السبت - 26 سبتمبر 2026

باحث في القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان محمد عباس البطاط ||

 

 

 

قال تعالى:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾
[المنافقون: 4]

الوفاء لا يُقاس بالكلمات، ولا بكثرة الشعارات، ولا بعدد المرات التي نقول فيها: نحن معكم. الوفاء يُقاس بالموقف عندما يصبح الموقف مكلفاً.

فالشدائد لا تصنع الرجال، وإنما تكشفهم. وعندما تضيق الخيارات، وتسقط الأقنعة، ويصبح الوقوف إلى جانب الآخر له ثمن، هناك فقط تعرف من بقي، ومن تراجع، ومن اكتفى بالكلام.

ولهذا، فإن الحديث عن الوفاء لا ينبغي أن يكون عاطفياً فقط، بل يجب أن يكون حديثاً عن الذاكرة والمواقف والتاريخ.

وعندما نتحدث عن مواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه العراق، فإن التاريخ الحديث يسجل محطات لا يمكن تجاهلها.

ففي عام 1990، وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، واصلت طهران الدفع باتجاه تنفيذ ترتيبات السلام وتبادل الأسرى؛ وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن إيران طالبت بالتنفيذ الكامل والسريع للقرار 598، كما طلبت في كانون الثاني 1990 تسهيل إعادة 50 أسيراً عراقياً من المرضى والجرحى، وأشارت إلى إطلاق سراح أعداد من الأسرى العراقيين منذ عام 1981.

وبعد 2003، ومع سقوط نظام الدكتاتوري ، أعلنت إيران دعمها للعملية السياسية العراقية والمساعدة في إعادة الإعمار وفتح أبواب التعاون في كل المجالات والمحطات .

لكن المحطة التي بقيت الأكثر حضوراً في الذاكرة العراقية كانت حزيران 2014.

في العاشر من حزيران 2014 سقطت الموصل بيد تنظيم داعش، وتعرض العراق لهجوم واسع هدد مدناً ومحافظات أخرى. وفي تلك المرحلة وبعد الصمت الدولي ورفض دول العالم الوقوف مع العراق والتحجج بااعطاء مواعيد 6 أشهر لتجهيز الأسلحة .
أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية استعدادها لتقديم الدعم والمساعدة للعراق، فيما تؤكد مصادر عراقية أن إيران قدمت دعماً للقوات العراقية في مواجهة داعش. كما شمل الدعم، وفق مصادر عراقية، مجالات الاستشارة والتدريب والتجهيز العسكري عند طلب الحكومة العراقية.

وفي 13 حزيران 2014 صدرت فتوى الجهاد الكفائي في النجف الأشرف، فهبّ العراقيون للدفاع عن بلدهم، وتشكّل الحشد الشعبي كقوة مساندة للقوات الأمنية العراقية.

وهنا يجب أن تكون الذاكرة دقيقة:

العراق هو الذي قاتل، والأخوة الإيرانين كانوا إلى جانب العراقيون حملوا السلاح، والإيرانيين والعراقيون هم قدموا الشهداء.

وتسجل مصادر عراقية أن إيران كانت من الدول التي سارعت إلى تقديم المساعدة، كما شمل التعاون دعم قوات عراقية وقوات البيشمركة في مواجهة داعش منذ عام 2014.

ثم جاء عام 2017، ومع إعلان العراق الانتصار على تنظيم داعش وتحرير الموصل، صدرت مواقف إيرانية مرحبة بالانتصار العراقي، في سياق التعاون الذي استمر خلال سنوات الحرب على التنظيم.

وفي 2019، وعندما تعرضت إيران لفيضانات واسعة، قدم العراق مساعدات للمتضررين، وفي قمة بغداد لبرلمانات دول جوار العراق في آذار 2019، أشاد الجانب الإيراني
بالمساعدة العراقية، مؤكداً في الوقت نفسه دعم استقلال العراق ووحدة أراضيه.
وفي الحرب الصهيوامريكي
وقف العراق موقف الأبطال بمساندة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ويجب أن تستمر هذا المواقف حتى بلوغ النصر.

ومن الإنصاف أن نقول:
إذا وقف إلى جانبك أحد في يومٍ شديد، فلا تمحُ موقفه من ذاكرتك عندما تتغير الظروف.

وإذا اختلفت معه في ملفات أخرى، فذلك لا يعني أن تنكر ما فعله في ملفٍ معين.

وإذا كانت لك ملاحظات على سياسة دولة، فناقشها، وانتقدها، واختلف معها، ولكن لا تُعيد كتابة التاريخ وفقاً لمزاج اللحظة.
والعراق، بما يحمله من تاريخ وثقل حضاري وديني وإنساني، لا ينبغي أن يكون أسير الذاكرة الانتقائية؛ لا ينسى من أساء، ولا ينكر من أحسن، ولا يسمح لأحد أن يكتب له تاريخه نيابة عنه.

ولهذا، فإن للعراق وشعبه اليوم وقفة تليق بحجمه، وبعمقه الشيعي الأكبر، وبمركزه الإسلامي الأصيل، وبمسؤوليته التاريخية.

وقفة لا تقوم على الانفعال، ولا على نكران الجميل.

بل على قاعدة :

نحفظ للعراق قراره، وللشهداء دماءهم، وللأصدقاء مواقفهم، وللتاريخ حقه.

فالتاريخ لا يحفظ من قال كثيراً، وإنما يحفظ من وقف عندما كان الوقوف امتحاناً.

وقد ينسى الناس آلاف الخطب، لكنهم لا ينسون موقفاً واحداً جاء في الوقت الذي كانوا فيه بحاجة إلى من يقف معهم.
و لا تسألني ماذا قلت عن العراق…
اسألني أين كنت عندما كان العراق بحاجة إلى موقف.