فخ بثوب الرحمة..!
عباس سرحان ||

كان قد خرج بسيارته باكراً، ظناً منه أنه سيكون الأول في الطابور، ناسياً أن كل عراقي يفكر بنفس الطريقة كل صباح. توجّه إلى إحدى دوائر الدولة. المعاملات هنا لا تُنجَز بالانتظار وحده، بل بخلطة من الأدعية والصدقات، وبعض “التسهيلات” التي يُشار إليها بفرك السبابة والإبهام، كمن يتحسس ملمس نقود في طريقها الى الدُرج.
عاد من الدائرة بعد إنجاز إجراءات يسيرة من معاملته، حددوا له موعداً آخر بعد أسبوعين، فشعر بارتياح غريب وهو يقود بمزاج رائق. وفي غمرة هذا الرضا الهش، وقعت عيناه على امرأة عجوز تقف على الرصيف، تُومئ بحرارة لكل سيارة تمر، كأنها تستجدي رحمة لم تجدها في وجوه السائقين. مرّت أمامها السيارات تباعاً، وكأن أهل المدينة اتفقوا ساعتها على تجاهلها.
قال في نفسه: “لأكسب ثواب هذه العجوز، فوجهتها -على الأرجح- في طريقي، ولعل الله يوفقني في ما تبقى من معاملتي.” فكأنه أراد أن يستثمر في الدعاء ليعزز رصيد معاملته المتعثرة. توقف، وعلى شفتيه ابتسامة الرحيم المتصالح مع نفسه، وسألها بلطف: “لوين ياحاجة؟”
تجاهلت الردّ وسارعت الى فتح الباب، وصعدت، واستقرت في المقعد المجاور له وكأنها تعرفه منذ سنين، وقالت وهي لا تزال نصف واقفة نصف جالسة: “تمهل، فهذه زوجة ابني معي، دعها تركب.”
التفت ليرى أين هي زوجة ابنها، فوجدها على مبعدة أمتار، امرأة في الثلاثين، جميلة الملامح، تهرول نحو السيارة كمن يخشى فوات الفرصة.
في تلك اللحظة استيقظ بداخله حسّ الريبة، الذي لا يصحو إلا حين تبدو الأمور أسرع مما ينبغي، أو مرتبة أكثر من المعتاد. فالعجوز صعدت وحدها، بلا استئذان، ثم نادت فتاة كانت تقف بعيداً عنها، وأجلستها في المقعد الخلفي. جرأتها في الصعود والحديث معه بثقة المعتاد على هذا المشهد، أثارت ريبته أكثر.
سألها: “لوين تريدين ياحاجة؟”
قالت: “مستشفى الولادة، فعندنا امرأة هناك، ونحن من محافظة أخرى، وليس معنا رجل.”
قال، وقد لاحظ للتو أنها كانت قبالة مستشفى بعينه: “ولمَ أنتنّ واقفات هنا، أمام هذا المستشفى بالذات؟”
ترددت، بل تلعثمت، ثم قالت: “عندنا امرأة تلد، وكنا نظن أنها هنا.”
مرّت لحظة صمت، مسح خلالها جبينه المتصبب عرقاً بمنديل ورقي، وحين رفع عينيه إلى المرآة ليطمئن على هيئته، وجد الشابة تحدّق في انعكاسه بابتسامة ماكرة، وتحرك أحد حاجبيها كأنما وخزه مخرز. ازداد قلقه أكثر حين بدت المشاهد من حوله كما لو كانت معدّة بشكل جيد، فكأن هذه الجميلة التي تداعب المرآة بحاجبها هي الفخ الذي يراد اصطياده به.
كسرت العجوز الصمت، وكأنها ارادت إكمال حركة حاجب المرأة الجميلة في المرآة: “هل عندك مكان هنا نستريح فيه؟”
قال، مستغرباً: “مكان؟”
قالت: “نعم، شقة أو بيت، فنحن متعبتان.”
فاته أن يسألها عن سرّ تجاهلها المفاجئ لقريبتها المريضة. لكنه أجابها بلا مواربة: “حاجة، عندي بيت فيه زوجتي وأولادي، إن أحببتما النزول عندنا بعض الوقت؟”
زمّت شفتيها بخبث وكأنها انزعجت من مناداته لها بكلمة حاجة أكثر من مرة فقالت بدهاء: “لا لا أوصلنا الى مستشفى الولادة.”
أطرق برأسه، وأدار المقود نحو المستشفى، وخيّم بينه وبين راكبتيه صمتٌ لم يكن فارغاً، بل مزدحماً بأسئلة وهواجس.
بدأ يستعيد تفاصيل الموقف: عجوز توقفه في الشارع، ثم زوجة ابن تلحق به ركضاً وكأنها كانت تنتظر إشارة، ثم مستشفى، ثم طلب سكن غريب لم يخطر له على بال. همس لنفسه: “كل هذا… مجرد مصادفة؟”
حاول أن يهدّئ من روعه: “أنا أبالغ؟ فهما امرأتان فقط، عجوز وشابة، أي أذى يُتوقع منهما؟” لكن هاجساً آخر بدأ يتسلل إليه، يتعلق بشيء أخبث: “ماذا لو رآني أحد يعرفني وأنا أقلّ امرأة غريبة جميلة بسيارتي، ومعها عجوز؟ كيف سأفسّر هذا المنظر، حتى لو كانت نيتي طيبة تماماً؟”
وتخيّل، في ومضة، مشهداً أسوأ: سيارة تعترضه، وامرأتان تُنزلان نفسيهما قسراً وتصرخان بأنه تحرش بهما، أمام شارع مزدحم لا يحتاج فيه اتهام كهذا إلى دليل، بل تكفيه صرخة واحدة. همس لنفسه بفزع: “يا إلهي، كم من موقف كهذا انتهى بفصل عشائري يُكلّف الملايين.”
وصلوا، فأوقف السيارة في باب مستشفى الولادة وطلب منهما النزول. لكنهما رفضتا بحجة انهما لايملكان نقودا وعليه أن يتولى مساعدتهما!
قال، وقد تيقن الآن أنه وقع في فخ نُصب له بعناية: “وما دخلي أنا؟ لقد أوصلتكما إلى حيث تريدان مجاناً.”
قالتا، بصوت ارتفع فجأة وكاد أن يصل الى مسامع المارّة: “سنصيح الآن إنك تحرشت بنا، ونلمّ الناس.”
نظر حوله. كان الواقفون أمام باب المستشفى يراقبون المشهد بفضول من يرقب مشهداً لافتاً، تخيّل، في جزء من الثانية، كيف سينهال عليه هؤلاء لو صرخت المرأتان، وكيف لن يسمع أحد أي تبرير منه…




