الجمعة - 18 سبتمبر 2026

تجار الكلام: صانعو الخراب الحلقة الثالثة: تجار الشعارات وسقوط الرموز..!

منذ ساعة واحدة
الجمعة - 18 سبتمبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

تجار الشعارات

شهد منتصف القرن العشرين صعود نخب سياسية رفعت شعارات هادرة: العدالة الاجتماعية، التأميم، بناء الصناعة، والسيادة الوطنية. التف الناس حول هذه الخطابات، واستبشروا خيراً بمرحلة جديدة تطوي زمن الاستعمار والاقطاع. لكن التجربة أثبتت أن الحماس العاطفي لا يبني دولاً إذا خلا من التخطيط المؤسسي.

تجربة نخب الوعود في المشهد العراقي
منذ تحول العراق إلى النظام الجمهوري عام 1958، تعاقبت شخصيات وأحزاب تسلمت السلطة عبر خطابات كاريزمية عاصفة. خاطبوا الجماهير بلغة الوعود المطلقة، وصاغوا سياسات اقتصادية واجتماعية اندفاعية.

لم تكن الأزمة في انعدام النوايا حتماً، بل في البنية الفكرية والأدوات المستعملة:

تطبيق النظريات المستوردة: حاولوا إسقاط تجارب جاهزة (كالاشتراكية السوفيتية أو الشعارات القومية المغلقة ) على مجتمع ذي تركيب عشائري وزراعي وتجاري لم يمر بالتحولات الصناعية الغربية.

اختزال الدولة في شخص الحاكم: جرى تفريغ المؤسسات من استقلاليتها، وأصبحت الدولة مختزلة في “القائد الملهم” أو “الرمز الزعيم”.

تحويل الأيديولوجيا إلى سيف: جردوا الأفكار الفلسفية من مضمونها النقدي، وحولوها إلى أدوات لتصفية الخصوم وتبرير القرارات الفوقية.

النتيجة: الدولة الهشة والفراغ الكبير
إن الخطأ التاريخي لنخب الوعود تمثل في بناء أنظمة تدور حول كاريزما الأشخاص لا حول قوة المؤسسات. وحين رحل الحاكم أو أزيح بحادث أو انقلاب، لم تتبقَّ مؤسسات قادرة على حماية الدولة، بل انهارت المظلة السياسية برمتها، ليعود المجتمع إلى انقساماته الأولية.

لقد كشفت التحولات العاصفة في تاريخ العراق الحديث أن التغيير القائم على الشعار والشخصنة يورث الفراغ، وأن بناء الدول يتطلب تراكماً هادئاً، وسيادة للقانون، وتنمية حقيقية تعتمد على واقع الناس لا على الأوهام الخطابية.

في الحلقة القادمة، سنستكمل كشف وهم “استيراد الأنظمة الجاهزة”، لنطرح السؤال الذي يشغل الجميع: “هل تصلح الديمقراطية المستوردة لكل مجتمع؟”، وكيف تحولت التجارب الديمقراطية السطحية إلى مجرد صندوق اقتراع يكرس المحاصصة وتفكيك المجتمع.