الجمعة - 18 سبتمبر 2026

من إمامة العمامة إلى إمامة ألسفارة 21 سبتمبر تصحيح 26سبتمبر..!

منذ 3 ساعات
الجمعة - 18 سبتمبر 2026

 فتحي الذاري ||

 

 

 

ثورة سبتمبر بين مشروعين.. من التبعية إلى السيادة ومن الصوتية إلى الفعل

عندما يأتي سبتمبر في اليمن، لا يأتي كذكرى عابرة في التقويم، بل يأتي كسؤال مصيري يطرحه كل يمني حر على نفسه: أي سبتمبر نحن؟ سبتمبر السيادة أم سبتمبر التبعية؟ سبتمبر الأرض أم سبتمبر الفندق؟

هناك سبتمبران في اليمن اليوم، وهناك ثورتان، وهناك مشروعان يتصارعان على روح هذا الشعب منذ ستين عاماً. ولا يمكن أن نفهم حاضرنا ومستقبلنا إلا إذا وضعنا الحقيقتين جنباً إلى جنب بلا مجاملة ولا تضليل.

ثورة 26 سبتمبر 1962الثورة الأم التي تم اختطافها وتحويلها إلى ثورة صوتية

لا يستطيع أحد، ولا يجوز لأحد، أن ينكر عظمة 26 سبتمبر 1962. كانت ثورة شعب بأكمله ضد الإمامة والاستبداد والجهل والمرض والعزلة التي استمرت ألف عام. خرج الضباط الأحرار، خرج الزبيري والنعمان وعلي عبد المغني ولبوزة، خرج الفلاح والعامل والطالب، يحلمون بجمهورية حرة عادلة، بجيش وطني يحمي لا يحكم، بتعليم ومستشفى ومصنع.

كانت أهدافها الستة هي حلم كل يمني التحرر من الاستبداد، بناء حكم جمهوري، تحقيق العدالة، بناء جيش وطني، نشر التعليم، وتحرير الاقتصاد.

لكن السؤال المر الذي يجب أن نسأله اليوم بموضوعية ماذا تحقق من هذه الأهداف بعد 50 عاماً من الاحتفال بها؟

الجواب المؤلم: تم الاستحواذ والاختطاف الكامل للثورة بعد أسابيع من قيامها.

تحولت اليمن إلى ساحة حرب بالوكالة بين مصر والسعودية. مصر تريد تصدير مشروعها القومي، والسعودية ترى في أي جمهورية حرة على حدودها خطراً وجودياً. فدعمت الملكيين بالمال والسلاح والمرتزقة، واشترت شيوخ القبائل وضباط الجيش.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد قرار صنعاء في صنعاء.

تحولت الجمهورية الوليدة إلى جمهورية تابعة بكل ما تعنيه الكلمة:
رئيس الجمهورية لا يصبح رئيساً إلا إذا باركته الرياض.
ميزانية الدولة هبة من اللجنة الخاصة السعودية.
قادة الألوية والمناطق يستلمون مخصصاتهم الشهرية من الرياض وليس من وزارة الدفاع اليمنية.
السفير الأمريكي هو الحاكم الفعلي في دار الرئاسة، والسفير السعودي هو من يعين المحافظين.

هكذا أفرغوا 26 سبتمبر من مضمونها السيادي، وحولوها إلى ثورة صوتية. ثورة خطابات رنانة في الإذاعة، وأغاني وطنية، واحتفالات، وعروض عسكرية، بينما الجوهر هو التبعية الكاملة.

50 عاماً ونحن نحتفل بسبتمبر ونحن نستورد قمحنا من أمريكا وأستراليا، ونستورد سلاحنا من أمريكا، ودواءنا من الخارج، وبذورنا العقيمة من شركات إسرائيلية وأمريكية، ونأخذ جرعة اقتصادية تذبح الفقير بأوامر من صندوق النقد الدولي. أي جمهورية هذه التي لا تملك رغيفها وسلاحها ودواءها؟

لقد أصبح 26 سبتمبر في يد الأنظمة السابقة مجرد أداة تضليل، يرفعون شعاره ليغطوا تبعيتهم وفسادهم ونهبهم.

ثورة 21 سبتمبر 2014.. ثورة التصحيح والتحرر من التبعية إلى السيادة

جاءت ثورة 21 سبتمبر 2014 كضرورة تاريخية، كثورة تصحيحية شعبية عارمة، لم تكن انقلاباً كما يزعم المرجفون، بل كانت ثورة شعب خرج بمئات الآلاف إلى الساحات ليقول كفى.

كفى وصاية، كفى تبعية، كفى نهباً، كفى استجداء.

خرج الشعب اليمني ليقول
لا لحكومة كانت قراراتها الاقتصادية تكتب في واشنطن.
لا لسفير أمريكي كان يحكم من داخل دار الرئاسة ويعين الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية.
لا لسفير سعودي كان يوزع رواتب المشايخ والقادة والسياسيين من حقيبته الدبلوماسية.
لا لشركات نفطية أجنبية تنهب نفط مأرب وشبوة وحضرموت، ولا يعود للشعب إلا الفتات.
لا لبذور عقيمة ومبيدات مسرطنة فرضت علينا لنبقى سوقاً استهلاكية للأجنبي.

21 سبتمبر نقلت اليمن من مرحلة إلى مرحلةمن التبعية إلى السيادة، ومن الوصاية إلى الاستقلال، ومن الاستجداء إلى الكرامة.

ولأول مرة منذ عام 1962، عاد القرار إلى صنعاء. طُرد السفير الأمريكي، وأُغلقت السفارة السعودية التي كانت تحكم اليمن، وأصبح قرار الحرب والسلم والغذاء والدواء قراراً يمنياً خالصاً.

الفرق الجوهري بين الثورتين واضح:
26 سبتمبر حررتنا من الإمام الفرد الذي كان يحكم بعمامة، لكنها سلمتنا للإمام الجماعي المتمثل في الوصي السعودي الأمريكي.
21 سبتمبر حررتنا من الإمام الجماعي، من الوصي والغازي والمرتزق، وحررت القرار والسيادة والاقتصاد.

لهذا نقول بكل موضوعية ومسؤولية تاريخية21 سبتمبر هي الابنة الشرعية والتصحيح الحقيقي لـ 26 سبتمبر، هي من حققت أهداف 26 سبتمبر الستة التي ظلت حبراً على ورق لمدة 50 عاماً.

التضليل باسم 26 سبتمبر تحت الاحتلال.د حكومة فنادق الرياض وأبوظبي ونموذج النهب

عندما فشل العدوان العسكري المباشر على اليمن لعشر سنوات في كسر إرادة الشعب وثورته في 21 سبتمبر، عادوا إلى السلاح القديم التضليل والتوظيف السياسي لذكرى 26 سبتمبر.

اليوم، من يحتفل بـ 26 سبتمبر؟ وأين يحتفل؟

يحتفل به ما يسمى بالمجلس الرئاسي والحكومة الشرعية المكونة من 8 رؤساء، يقيمون بشكل دائم في فنادق الريتز كارلتون في الرياض وقصر الإمارات في أبوظبي.

إنها حكومة فنادق بكل ما تعنيه الكلمة من ذل وتبعية واستجداء
رئيسها لا يستطيع أن يبيت ليلة واحدة في عدن إلا بإذن من ضابط إماراتي.
وزير دفاعها لا يستطيع أن يحرك كتيبة إلا بأوامر من غرفة عمليات سعودية.
لا يملكون مطاراً ولا ميناءً ولا حتى مبنى وزارة في اليمن.

أي جمهورية وأي سبتمبر يحتفلون به تحت حراب الاحتلال؟

يرفعون علم الجمهورية في قاعات الفنادق، ويسلمون جزر الجمهورية اليمنية (سقطرى وميون وعبدالكوري) للاحتلال الإماراتي ليبني فيها قواعد عسكرية.
يرفعون شعار الوحدة اليمنية وهم يقسمون اليمن إلى 4 كنتونات ويمولون الميليشيات المناطقية.
يرفعون شعار الحرية وهم يبيعون ميناء عدن ومطار الريان ومنفذ شحن وحضرموت لشركات أجنبية.
يرفعون شعار العدالة وهم يمثلون أكبر عملية نهب للشعب اليمني في التاريخ الحديث.

انظروا إلى جريمة النهب المنظم
يطبعون عملة مزورة في عدن بدون غطاء نقدي، حتى انهار الريال من 500 إلى أكثر من 1700 ريال للدولار، فنهبوا مدخرات الشعب.
يفرضون جبايات وضرائب غير قانونية في كل نقطة وكل ميناء في المناطق المحتلة.
يبيعون الغاز اليمني المسال بـ 10 مليارات دولار سنوياً، ويودعون ثمنه في البنك الأهلي السعودي، ولا يعود للشعب ريال واحد، بينما موظفو عدن بلا مرتبات منذ أشهر.
يسرقون نفط شبوة وحضرموت عبر شركات وهمية ويتقاسمون ثمنه في الرياض.

هذه ليست حكومة، هذه شركة مقاولات للاحتلال وعصابة نهب واستجداء.

تستجدي الوديعة السعودية، وتستجدي الاجتماع مع السفير الأمريكي، وتستجدي صورة جماعية في الأمم المتحدة، بينما شعبها في عدن يموت جوعاً وبدون كهرباء وبدون ماء.

لقد حولوا 26 سبتمبر العظيمة من ثورة تحرر إلى غطاء للاحتلال الجديد. الاحتلال القديم كان إماماً يلبس عمامة ويدعي الحق الإلهي حسب السرد المتوارث ، والاحتلال الجديد هو ضابط سعودي وإماراتي يلبس بدلة الجمهورية ويدعي حماية الشرعية.

لحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها.. يمن السيادة ويمن الاستجداء

اليوم، أصبح اليمنان واضحان لكل طفل يمني، ولا يمكن للتضليل الإعلامي أن يغطي الشمس

يمن 21 سبتمبر في صنعاءيمن محاصر، مقصوف، يعاني، لكنه حر وسيد وكريم. يملك قراره، يصنع صاروخه وطائرته المسيرة، يزرع قمحه في صحراء الجوف التي قالوا إنها لا تزرع، يبني صومعته ومطحنه بيده، ويقف في البحر الأحمر ليقول لا لأمريكا وإسرائيل دفاعاً عن غزة. فقير في المال، لكنه غني بالسيادة والكرامة.

يمن 26 سبتمبر المزيف في فنادق الرياض يمن مدعوم بمليارات الدولارات، بطائرات F-16 وبوارج حربية، لكنه ذليل ومستعبد. لا يملك قراره، لا يملك سلاحه، لا يملك حتى غرفة نومه في وطنه. يبيع السيادة مقابل حقيبة مال، ويبيع الأرض مقابل وعد بالعودة، ويبيع النفط مقابل فتات يسمى وديعة.

الأول يمثل مشروع التحرر من التبعية إلى السيادة والاكتفاء الذاتي، والثاني يمثل مشروع الاستحواذ والاستجداء والتبعية ونهب الشعب.

سبتمبر الحقيقي هو سبتمبر السيادة والاكتفاء

إن ثورة 21 سبتمبر وضعت القطار على سكة التحرر الحقيقي التحرر الغذائي والعسكري والسياسي.

وما تحقق في 12 عاماً رغم العدوان والحصار الشامل يفوق ما تحقق في 50 عاماً من الاستقرار المزيف والدعم المشروط.

اليوم، المطلوب ليس احتفالاً صوتياً ولا خطاباً رناناً، المطلوب أن يتحول كل مواطن إلى مزارع، وكل قرية إلى تعاونية، وكل شبر أرض بور إلى حقل إنتاج، وكل شاب إلى منتج.

التاريخ سيسجل أن الشعب اليمني ثار مرتين

مرة في 26 سبتمبر 1962 ليتحرر من الإمامة الفردية والاستبداد الداخلي،
ومرة في 21 سبتمبر 2014 ليتحرر من الإمامة الجماعية المتمثلة في الوصاية السعودية الأمريكية وأدواتها من مرتزقة الفنادق.

21 سبتمبر هي ثورة الشعب الحقيقية، ثورة التحرر من التبعية إلى السيادة، ومن الاستجداء إلى الكرامة، ومن الاستيراد إلى الاكتفاء.

وعلى هذا الطريق ماضون حتى يأكل اليمني مما يزرع، ويلبس مما يصنع، ويصبح قراره بيده لا بيد سفير أجنبي.