صنعاء من الثقة بالله الى صناعة النصر..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

حين تُقرأ إنتصارات المجاهدين في لحظات التحولات الكبرى، يتضح للعدو السعودي أن النصر لا تصنعه كثرة السلاح وحدها، ولا تحسمه وفرة المال والتقنية، وإنما تصنعه قبل ذلك إرادةٌ تستند إلى الإيمان بالله والثقةٌ به، والإعتماد عليه، ووعيٌ بأن القوة الحقيقية تبدأ من الارتباط بالله القوي الناصر.
فتحالف العوان على اليمن امتلك القوة والإعلام والدعم واضخم الإمكانات جمبعها انهارت أمام فئة أقل منه عدةً وعتادًا، لأن ميزان المعركة لا تقرره المادة وحدها.
وهذا ما جسده اليمنيون خلال سنوات المواجهة؛ حين تحولت ثقافة الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الأرض والعرض إلى مسؤولية عملية، وعقيدة قتالية، وحين ارتبطت الإرادة الشعبية بالمشروع القرآني تحت قيادة سيد القول والفعل، لم تعد محدودية الإمكانات عائقًا أمام
صناعة القوة، وتحقيق الإنتصارات.
لقد بدأ اليمن مواجهة العدوان في ظروف صعبة، لكنه راكم الخبرة، وطوّر قدراته، وبنى معادلة ردع جعلت ما كان يُنظر إليه باعتباره سلاحًا متواضعًا قادرًا على الوصول إلى أهداف كانت في حسابات العدو بعيدة المنال.
والقيمة الأعمق في هذه التجربة أن المؤمن لا ينسب النصر إلى قوته الذاتية، إنما يرى نفسه أداةً في الدفاع عن الحق، ويُرجع الفضل أولًا وآخيرًا إلى الله، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
لقد توهم تحالف العدوان على اليمن بقيادة العدو السعودي أن يحسم المعركة بفارق الإمكانات، وحشدوا المال والسلاح والمرتزقة، وظنوا أن التفوق العسكري كافٍ لإخضاع شعبٍ بأكمله.
لكن الحسابات المادية وحدها عجزت عن تفسير ما حدث؛ فكلما طال أمد المواجهة، انتقلت المبادرة من تحالف الشر الذي بدأ الحرب وامتلك التفوق المادي إلى احرار اليمن الذين استطاعوا بثقتهم بالله أن يحولوا الصمود إلى قدرة، والقدرة إلى ردع، والردع إلى نصر ومعادلة ميدانية وسياسية جديدة.
عن هذا قال سيد القول والفعل”تعزيز العلاقة بالله، والثقة بالله، والتوكل على الله أكثر وأكثر فيما يؤهلنا للحصول على المزيد من رعايته ومعونته ونصره، هذا الاتجاه هو الاتجاه الصحيح”.
وفي جبهات الساحل الغربي ظهرت هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحًا؛ فالمعركة لم تكن مجرد مواجهة بين أسلحة، وإنما بين إرادتين: إرادة أرادت فرض الوصاية والسيطرة على الأرض، وإرادة رفضت أن يكون اليمن تابعًا لأحد.
ومع اتساع قدرات القوات المسلحة وتطور وسائلها، أصبحت الجبهات ميدانًا تتهاوى فيه رهانات قوى العدوان التي بُنيت على إنهاك اليمن وإخضاعه.
وهنا تتجلى دلالة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؛ فالإيمان لا يعني انتظار النصر دون عمل، وإنما يعني أن يتحول اليقين بالله إلى صبرٍ وبذلٍ واستعدادٍ وثبات، ثم تأتي النتائج بقدر ما يقدره الله.
ولذلك كان التحدي الأكبر دائمًا هو المحافظة على الروح التي صنعت الصمود، وعدم السماح للانتصارات بأن تتحول إلى حالة من الغرور.
وإذا كانت المعركة قد كشفت ضعف حسابات الأعداء فإنها كشفت في المقابل ضرورة مراجعة قوة الثقة بالله عند كل انتصار، خاصةً وان الإنتصارات مستمرة وستستمر حتى تحرير اليمن.
وعليه فإن الخطط الناجحة ليست مناسبة للزهو، والانتصار الميداني ليس مبررًا للتكبر، لأن القوة إذا انفصلت عن الإرتباط بالله تحولت من نعمة إلى فتنة، ولهذا يوجه القرآن المؤمنين بعد النصر إلى سجدة الشكر والتسبيح والاستغفار: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
بالتالي فإن أعظم ما ينبغي أن نستخلصه من هذا النصر أنه ليس نهاية الطريق، لكنه أمانة ومسؤولية، وكلما اتسعت القدرة، وجب أن يتضاعف التواضع لله، وكلما اشتد بأس المجاهدين، وجب أن يزدادوا صبرًا ووعيًا بأن مصدر التوفيق هو الله، قال السيد القائد”عاقبة الصبر:النصر، والثبات على الحق: الفرج”.
فالمعادلة التي صنعت النصر اليمني لا تقوم على السلاح وحده، وإنما على إنسانٍ مؤمن، وإرادةٍ لا تنكسر، وقيادةٍ حكيمة ترى المواجهة مسؤولية، والثقةٍ بالله تجعل النصر المستحيل في حسابات الأعداء أمرًا قابلًا للتحقق.




