الاثنين - 14 سبتمبر 2026
منذ ساعتين
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

قبل ان نخوص في مقالتنا هذه احببت ان اوضح مساءلة مهمة للقارىء الكريم والتي هي محور مقالتنا الا وهي مفهوم “استراتيجية التحوط المزدوج (Dual/Strategic Hedging، لان على أساس هذا المفهوم أو الاستراتيجية أنطلقت دول المنطقة حيث { أدركت هذه الدول أن واشنطن لم تتمكن حتى من تحقيق أهداف الحرب التي أعلنتها، ولم يتحقق عمليًا أيٌّ منها؛ لذلك باتت مضطرة إلى التفاهم مع إيران}
مفهوم “استراتيجية التحوط المزدوج” (Dual/Strategic Hedging) في العلاقات الدولية ينطوي على قيام الدولة بتبني مسارين متوازيين ومتناقضين ظاهرياً لتعظيم منافعها الأمنية والاقتصادية وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
تعتمد هذه الاستراتيجية على تجنب الانحياز المباشر أو التموضع القاطع ضمن محور واحد ضد آخر، وتتكون من جزأين أساسيين:
اولاً – مسار العزل والارتداع (Counter-balancing / Preparedness): التعاون الأمني والعسكري مع قوة كبرى (مثل الولايات المتحدة) أو بناء قدرات دفاعية ذاتية لردع التهديدات المحتملة ولضمان شبكة أمان عند اندلاع الأزمات.
ثانياً – مسار الانخراط والتهدئة (Engagement / De-escalation): فتح قنوات دبلوماسية واقتصادية وتجارية مباشرة مع القوى الإقليمية المنافسة أو المصدرة للتهديد (مثل إيران) لبناء تفاهمات وتخفيف حدة التوتر وتحييد المنشآت المصيرية عن قواعد الاشتباك.
تستهدف هذه الاستراتيجية ضمان “المرونة الاستراتيجية”؛ حيث تنوع الدولة خياراتها وتتحوط ضد تقلبات السياسة الدولية (مثل تراجع المظلة الأمنية للحليف الرئيسي) دون أن تتحمل كلفة الدخول في مواجهة صريحة مع الخصوم الإقليميين.}}
يقول الخبير يوئيل غوزانسكي، رئيس قسم شؤون المنطقة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS): ، دول المنطقة بدأت تميل إلى التفاهم مع إيران لتجنب هجماتها، بعد أن أدركت أن اقتصاداتها تتعرض للدمار وأن الولايات المتحدة غير قادرة على توفير أمنها.
{{لقد أدركت هذه الدول أن واشنطن لم تتمكن حتى من تحقيق أهداف الحرب التي أعلنتها، ولم يتحقق عمليًا أيٌّ منها؛ لذلك باتت مضطرة إلى التفاهم مع إيران}}
وبطبيعة الحال يتعمق هذا التحول ليطال مفاهيم الردع الهيكلي، وإعادة تشكيل خرائط التحالفات الإقليمية، وآلية إدارة النزاعات غير المتناظرة:
اولاً – تآكل عقيدة “الاحتماء بالخارج” وسقوط الرهان على واشنطن
انتقال العبء المالي والعسكري: أدركت العواصم الإقليمية أن واشنطن تُدار ببراغماتية عالية وتفضل خفض التزاماتها العسكرية المباشرة، مما جعل كلفة التحالف التقليدي أعلى من العائد الأمني المتوقع.
غياب الردع الشامل: أثبتت الاستراتيجيات الأمريكية المعتمدة على “العقوبات” أو “الضربات الموضعية” عدم قدرتها على شل قدرات طهران وتكتيكاتها القائمة على استخدام المسيرات والصواريخ الدقيقة والحروب غير المتناظرة.
ثانياً – التحول من “الأمن الصفري” إلى “الأمن التشاركي الدبلوماسي”
قواعد اللعبة الجديدة: بدلاً من سياسة الصفر أخطار عبر المواجهة، انتقلت دول المنطقة إلى منطق “تقليل الأضرار” (Damage Limitation) والتفاهم المباشر مع إيران لوضع خطوط حمراء تضمن حماية البنية التحتيةالحيوية.
إنهاء سياسة المحاور الصلبة: تفككت فكرة بناء “ناتو أوسطي” مواجه لإيران، وباتت الدول تفضل لعب دور الوسيط أو المحايد الإيجابي لتجنب الانزلاق لصحراء الحروب الاستنزافية.
ثالثاً – الانعكاسات الاستراتيجية على الواقع الإسرائيلي
عزلة الخيار العسكري: تجد تل أبيب نفسها تدريجياً في موقف الأكثر اندفاعاً ونشازاً إقليمياً، حيث تفقد بيئتها الداعمة لأي هجوم واسع النطاق ضد إيران.
فشل استراتيجية الاندماج الإقليمي ضد طهران: تعطلت مسارات دمج إسرائيل في منظومات دفاعية إقليمية مشتركة، بعدما أدركت باقي الأطراف أن التحالف مع تل أبيب يستجلب الهجمات الإيرانية بدلاً من ردعها.
رابعاً – البعد الاقتصادي كعامل حاسم في اتخاذ القرار السياسي
حماية الرؤى التنموية: ترتبط الخطط التنموية الوطنية والمشاريع الكبرى بضرورة وجود بيئة إقليمية هادئة وجاذبة للاستثمار الأجنبي، وهو ما لا يتحقق في ظل استمرار الاستقطاب العسكري.
ضعف قدرة البنى التحتية على التحمل: أظهرت الأحداث أن المنشآت النفطية، ومحطات التحلية، والموانئ، والمطارات المدنية تشكل أهدافاً سهلة وسريعة التأثر، مما يجعل تكلفة أي حرب أسرع في تدمير الاستقرار المالي من أي وقت مضى و تشير هذه المعطيات إلى أن إعادة تشكيل الإقليم لا تتم عبر الانتصار العسكري الخاطف، بل عبر إعادة توزيع الأدوار وتكيف الفاعلين مع القوة الواقعية على الأرض.

ومن جهة أو جانب أخر تتجسد قراءة يوئيل غوزانسكي في تحول بنظريات العلاقات الدولية وأطر الأمن القومي بالشرق الأوسط، حيث تحولت “حروب الردع التقليدي” إلى “سلسلة تفاعلية من إدارة التهديدات الاستنزافية” ترغم الفاعلين الإقليميين على إعادة صياغة خياراتهم الاستراتيجية.
أولاً: تهافت أطروحة “المظلة الأمنية الدائمة” وانكشاف الحليف الأمريكي
انزياح الأولويات الجيوسياسية لأمريكا: أظهرت التحولات السياسية والعسكرية أن واشنطن تضع إعادة توزيع قواتها عالمياً على رأس أولوياتها، مع تركيز استراتيجي على منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. هذا القيد الجيوسياسي يمنعها من الدخول في مواجهات مفتوحة أو التزامات عسكرية غير محدودة في الشرق الأوسط.
فجوة الأهداف بين واشنطن وحلفائها: لم تعد الأهداف الاستراتيجية للإدارات الأمريكية متعشقة بالكامل مع الرؤى الأمنية لدول المنطقة. ففي حين تسعى واشنطن لتطبيق سياسات “التطويق واحتواء التصعيد”، تبحث دول المنطقة عن “حماية جازمة ومباشرة” للبنى التحتية والأمن القومي، وهي فجوة أدت إلى انهيار الموثوقية الشاملة للردع الأمريكي.
إستراتيجية الخيار الأدنى: أدرك الفاعلون الإقليميون أن الحماية الأمريكية باتت خياراً ردعياً منقوصاً يتدخل بعد وقوع الضرر لا لمقامه أو منعه، مما يرفع كلفة الاعتماد الكلي على التعهدات الأمريكية.
ثانياً: هندسة “الحرب غير المتناظرة” واستنزاف القدرات التنافسية
تغيير قواعد الاشتباك: تتبع طهران وحلفاؤها عقيدة “المنطقة الرمادية” (Grey Zone Warfare)، وهي نمط من النزاعات العسكرية والأمنية التي تقع تحت عتبة الحرب الشاملة ولكنها توجع الخصم عبر ضربات موجهة، طائرات مسيرة رخيصة التكلفة، وصواريخ موجهة بذكاء، مما يجعل التصدي لها عبر منظومات الدفاع الجوي المتقدمة مكلفاً للغاية وغير مستدام مالياً.
التهديد المباشر للأمن الاقتصادي الحرج: أصبحت الأصول الاقتصادية الاستراتيجية (مثل الموانئ، محطات التحلية، المنشآت النفطية، والشبكات اللوجستية) هدفاً ممكناً وسريع التأثر. ولأن اقتصادات المنطقة تعتمد كلياً على حركة التجارة الحرة وسلاسل الإمداد والاستقرار الجاذب للاستثمار، فإن الاستمرار في نهج المواجهة يعني مغامرة مباشرة بالبنية التحتية والمستقبل التنموي.
ثالثاً: التحول نحو “استراتيجية التحوط المزدوج” (Strategic Hedging)