السبت - 12 سبتمبر 2026

ضربة أنبوب شرق ـ غرب السعودي ..أسئلة مفتوحة وسيناريوهات تتجاوز الرواية المعلنة..!

منذ ساعة واحدة
السبت - 12 سبتمبر 2026

✍️ د. ماجد الشويلي
2026/9/12

 

 

 

أعلنت السعودية أن خط أنابيب شرق ـ غرب لتصدير النفط تعرّض لاستهداف في منطقتي الرياض والمدينة المنورة بطائرات مسيرة انطلقت من الاراضي العراقية ، في حادثة تفتح الباب أمام جملة واسعة من الأسئلة السياسية والأمنية، خصوصًا في ظل التعقيدات الإقليمية المتشابكة، وتعدد الأطراف التي يمكن أن تستفيد من مثل هذا التطور.

وبعيدًا عن التسليم بالرواية الرسمية أو تبني اتهام مسبق لأي طرف، فإن قراءة المشهد من زاوية المصالح والنتائج المحتملة تفرض النظر في عدة سيناريوهات، قد يكون بعضها أكثر تعقيدًا من مجرد استهداف منشأة نفطية.

أولًا:-هل يمكن أن تكون السعودية نفسها وراء العملية؟

قد يبدو هذا السيناريو، للوهلة الأولى، صادمًا أو غير مألوف، لكنه يظل من الفرضيات التي تستحق البحث في سياق الصراع الإقليمي، خصوصًا إذا نُظر إلى العملية باعتبارها أداة سياسية، لا مجرد عمل عسكري.

فالسعودية تواجه منذ سنوات تحديات أمنية وعسكرية على أكثر من جبهة، وفي مقدمتها الحرب في اليمن وما ترتب عليها من استنزاف سياسي وعسكري، فضلًا عن الإخفاقات والضربات التي تعرضت لها منشآتها الحيوية في مراحل مختلفة.

ومن هذا المنظور، يمكن افتراض أن افتعال هجوم محدود ومدروس على منشأة استراتيجية قد يوفر مبررات لإعادة ترتيب بعض التحالفات الأمنية والعسكرية، وتفعيل أو توسيع مظلة اتفاقيات الدفاع المشترك، ولا سيما مع تركيا وباكستان.

وقد يكون الهدف، في هذه الحالة، تقديم السعودية بوصفها دولة تتعرض لتهديد خارجي متصاعد، بما يعزز الحاجة إلى حضور عسكري وأمني أكبر لحلفائها، ويمنح الرياض هامشًا أوسع لإعادة صياغة قواعد الاشتباك الإقليمية.

ثانيًا:-هل تقف الولايات المتحدة خلف العملية؟

السيناريو الثاني يذهب باتجاه واشنطن، التي قد تجد في هكذا تصعيد أمني من هذا النوع تحديدًا فرصة لإعادة النظر في أي ترتيبات تتعلق بانسحابها من العراق.

فإذا كانت الولايات المتحدة تواجه استحقاقات مرتبطة بإعادة انتشار قواتها أو إنهاء بعض التزاماتها العسكرية في المنطقة، فإن حدوث تهديد أمني كبير ضد حليف استراتيجي، وخصوصًا ضد منشأة نفطية ذات أهمية دولية، يمكن أن يوفر مبررًا سياسيًا وأمنيًا لإعادة تقييم تلك الالتزامات.

وبعبارة أخرى، قد يتحول الهجوم إلى ذريعة لإعادة إنتاج الحاجة إلى الوجود الأمريكي في عموم الخليج والعراق على وجه الخصوص، تحت عنوان حماية أمن الطاقة والممرات الاستراتيجية وحلفاء واشنطن.
أو تحت ذريعة عدم ايفاء العراق بالتزاماته
المتفق عليها .

ثالثًا:-العراق واجتماع الملاحة في مضيق هرمز

هناك سيناريو آخر لا ينبغي إغفاله، ويتمثل في احتمال ارتباط العملية بالتحولات السياسية المحيطة بمضيق هرمز وأمن الملاحة فيه.

فالعراق يحتل موقعًا حساسًا في المعادلة الخليجية، رغم أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تتعامل معه رسميًا بوصفه عضوًا في المنظومة الخليجية. ومع ذلك، فإن موقعه الجغرافي والسياسي، وعلاقاته المتشابكة مع مختلف أطراف المنطقة، يجعلان حضوره في أي ترتيبات تتعلق بأمن الخليج والملاحة أمرًا ذا دلالة.

ومن نسأل ؛ هل يمكن أن تكون الضربة محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بما يؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إقصاء العراق عن اجتماع أو مسار إقليمي يتعلق بتنظيم الملاحة في مضيق هرمز؟

إذا صح هذا الافتراض، فإن استهداف منشأة سعودية لا يكون هو الهدف النهائي بالضرورة، وإنما يصبح جزءًا من عملية أوسع لإعادة رسم الاصطفافات الإقليمية، ووضع العراق في موقع دفاعي أو اتهامي يصعب معه مشاركته في ترتيبات أمنية إقليمية حساسة.

وهنا تكمن أهمية التوقيت والنتائج السياسية للعملية، لا مجرد طبيعة الهدف العسكري.

رابعًا:- إسرائيل وخلط الأوراق الإقليمية

السيناريو الإسرائيلي يستحق بدوره قراءة خاصة.

فإسرائيل تنظر بقلق بالغ إلى التحولات الجارية في اليمن، ولا سيما مع بروز صنعاء كطرف يمتلك القدرة على التأثير في أمن الملاحة عند باب المندب، وما يعنيه ذلك من تهديد مباشر أو غير مباشر للمصالح الإسرائيلية وحركة الملاحة المرتبطة بموانئها.

وفي ظل هذا المشهد، قد يكون من مصلحة إسرائيل إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، ومنع تشكل تفاهمات إقليمية مستقرة بين أطراف متعارضة معها.

ومن هذه الزاوية، فإن إشعال صراع أو أزمة بين دول المنطقة يمكن أن يؤدي وظيفة مزدوجة.. تشتيت الانتباه عن التحركات الإسرائيلية، وإعادة توجيه الصراع من مواجهة إسرائيل إلى صراعات داخلية وإقليمية بين دول المنطقة نفسها.

ويكتسب هذا الاحتمال أهمية أكبر إذا تزامن التصعيد الإقليمي مع تحركات إسرائيلية تتعلق باحتمالية ضم الضفة الغربية، خصوصًا في ظل المخاوف من خطوات باتجاه توسيع الاستيطان أو فرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة.

وبالتالي، فإن خلق أزمات متزامنة في أكثر من ساحة قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لإدارة الفوضى الإقليمية، بحيث تنشغل العواصم العربية والإقليمية بصراعاتها البينية، بينما تتحرك إسرائيل في ملفاتها الاستراتيجية.

خامسًا:- استهداف التفاهمات العراقية حول تنظيم السلاح

أما السيناريو الخامس، فيرتبط بالساحة العراقية نفسها.

فالعراق يعيش مرحلة دقيقة تتعلق بمستقبل السلاح وتنظيمه، وبالتفاهمات التي تحاول القوى السياسية، ولا سيما القوى الشيعية، الوصول إليها بشأن حصر قرار استخدام القوة وتنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.

وفي هذا السياق، فإن أي حادث أمني كبير يُربط بالعراق أو يُستخدم لتوجيه الاتهام إلى جهة عراقية، يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على هذا المسار.

فإذا أدى التصعيد الخارجي إلى إعادة طرح ملف السلاح العراقي من زاوية أمنية وضاغطة، فقد تجد بعض الأطراف مصلحة في إفشال أو تعطيل التفاهمات الداخلية التي يجري العمل عليها.

وبذلك لا تكون العملية مجرد حادث أمني خارج الحدود، وإنما وسيلة للتأثير في التوازنات الداخلية العراقية وإعادة فتح ملفات كان يجري العمل على إغلاقها أو تنظيمها سياسيًا.

إن أخطر ما في هذه الحادثة ليس فقط معرفة من أطلق الضربة، وإنما معرفة من المستفيد منها سياسيًا.

فالمنشآت النفطية السعودية أهداف استراتيجية بطبيعتها، لكن استهدافها في هذا التوقيت يمكن أن ينتج تداعيات تتجاوز سوق النفط أو الأمن السعودي، لتطال شكل التحالفات الإقليمية، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي، وعلاقة العراق بمحيطه الخليجي، وأمن الملاحة في هرمز وباب المندب، فضلًا عن الصراع الإسرائيلي في المنطقة.

ولهذا فإن اختزال الحادثة في رواية ..هجوم عراقي على السعودية.. قد يكون تبسيطًا مفرطًا لمشهد شديد التعقيد.

فالأسئلة الأهم ليست فقط: من نفذ؟
بل أيضًا من المستفيد؟
ومن يريد توجيه الاتهام؟
ومن سيستخدم الحادثة لتغيير قواعد اللعبة؟
ومن ستتضرر مصالحه إذا لم تتحول هذه الضربة إلى أزمة إقليمية؟

هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تقود إلى فهم أعمق للحادثة.