السبت - 12 سبتمبر 2026

أُمّة التشييع.. من البيت للتاريخ.. قصة قصيرة لأسرة عظيمة.. من زمن الضيم الى وعي المرحلة..!

منذ ساعتين
السبت - 12 سبتمبر 2026

🌍 الشيخ حسن النحوي ||

 

 

الحلقة الأولى

من علي بن ابي طالب ابتدأ خيط النور

بالجنوب، الذاكرة مو دفتر ينكتب وينسد.

الذاكرة هناك ماي.

تنزل بالگاع، تمشي تحت الطين، تتشعب بين الجذور، وتطلع بمكان ثاني عين ماي…

وتظل ماشية.

ولهذا، إذا سألت شيبة من شيبات الجنوب: عمي… شلون ظل اسم علي كل هالسنين؟

يمكن يباوعلك، يزحّف عگاله شوي لورا، ويضحك: ولك بوية … الشمس تحتاج واحد يدليك عليها؟

علي بن أبي طالب ما دخل لذاكرة هالناس من باب الحچاية وحدها.

دخل من باب العدل.

من باب الفقير.

من باب ذاك الإنسان اللي، حسب ما توارثوه عنه، ما چان يريد ميزان الناس يميل لأن هذا غني وهذا مسكين.

ولهذا لگه الفقير بيه شي يشبهه.

ولگه المظلوم بيه أمل.

من تطْلَگ المرأة الجنوبية تصيح يا علي

اول اسم يسمعه المولود من يطلع من بطن اسم علي .

ولگه الأب اسم يسمّي بيه ابنه.

ولگت الأم كلمة تتمتم بيها من يطلع ولدها بنص الليل: يا علي… كون وياه.

مو عبادةً لعلي.

ولا لأنهم نسوا ربهم.

حاشاهم.

بس لأن المحبة، من تدخل للگلب، تسوي إلها بيت.

وعلي سوّى بيته بگلوبهم من زمان.
و علي انولد ببيت الله و غادر الحياة ببيت الله

كل صفات علي عظيمة ، شجاعته و علمه و عبادته و اخلاصه ، بس الفقير يشوف اعظم صفة بعلي هي صبره ، صبر علي بن ابي اسطوري لذلك صار قدوة للفقير .

ومن علي…

إجه الحسن.

ومن الحسن والحسين، امتد بيتٌ صار اسمه عندهم:

أهل البيت.

بيت ما شافوه بعيونهم، بس عاش ويّاهم.

وهنا بدت سالفة يمكن اللي ما عاش بالجنوب ما يفتهمها بسهولة.

شلون رجال مات قبل أكثر من ألف سنة، يبقى اسمه حاضر بصينية چاي؟

شلون واقعة مثل الغدير صارت بصحراء بعيدة، تدخل لبيت طين على طرف الهور؟

شلون طفل يسأل أمه عن الحسين، وهي تبچي كأن المصيبة صايرة البارحة؟

الجواب مو بالكتب وحدها.

الجواب بالبيت.

ببيت صغير، من بيوت جنوب العراق، چانت الملاية تگعد بالنص.

النسوان حواليها.

السواد مالي الغرفة.

استكانات الچاي على الصينية.

ريحة الهيل داخلة ويّه ريحة الطين.

وطفلة صغيرة متخبية بحضن أمها.

الملاية تقرأ.

والصوت يصعد شوي شوي…

( هذا من أهلنه و حيل جاس گلوبنا )

لحد ما تبدي النسوان تمسح دموعها.

الطفلة ترفع راسها:

— يمّه؟

— ها يمّه؟

— ليش تبچين؟

الأم تمسح عينها بطرف الشيلة.

— على الحسين.

تسكت الطفلة شوي.

وتسأل السؤال اللي يمكن سألته آلاف البنات قبلها:

— يمّه… إنتِ شايفته؟

تتوقف الأم.

تباوع لبنيتها.

شلون تشرح إلها قرون؟

شلون تشرح كربلاء؟

شلون تشرح أن الإنسان مرات يعرف واحد ما شايفه أكثر من ناس يشوفهم كل يوم؟

ضمّتها لصدرها.

وگالت:

— لا يمّه… ما شايفته.

— چا شلون تحبينه؟

مسحت على شعرها.

وهمست:

— نعرفه بالگلب.

ومن ذاك الگلب، صار التشيّع عند هواي من أهل الجنوب مو مجرد كلمة تنكتب بخانة المذهب.

صار ذاكرة.

اسم.

مجلس.

زيارة.

خبزة تنعطى بنية الثواب.

گلاص ماي ينحط بطريق الزوار.

أم تنذر.

أب يسمّي.

وشايب، من يسمع اسم الحسين، يسكت ثانيتين قبل لا يحچي.

هل تعلمون ان الفن و الادب حفظ التشيع ، بالفن و الادب انتقل التشيع عبر الاجيال ، فالتشابيه هي مسرحية شعبية تجسّد قصة واقعية ، و المقـ..ـتل قصة و دعبل الخزاعي حمل خشبته على طهره اربعين سنة و هو يقول : مدارس آيات خلت من تلاوة ٍ و منزل وحي مقفر العرصات .

عبر الموروث صار الجنوبيون شيعة الاسرة

اسرة محمد صلى الله عليه و آله

وواقعة الطف من حصون الاسرة

نحن الشيعة آخر قلاع الاسرة الحصينة ، لذلك بدأ التركيز عليهم لنشر ملف الشـ…ـذوذ و الجنـ..ـدرة في الشرق الاوسط ..

لماذا الشيعة قلعة؟

نحن نقدّس الاسرة ، لأن ثقافتنا الاسلامية مرتبطة بالأسرة منذ التأسيس، فأهل بيت النبي و اسرته هم محط تقديس لدينا .. و اكثر ما يردده الشيعي في يومه هو ( ال البيت )..
الشيعي يحترم الاسرة لأنه يشايع الاسرة ..
يصعب على المستـ..ـكبرين ان يقنعوا الشيعي ان يعيش الولد مع الولد و المرأة مع المرأة او ان يغيرا جنسيهما ..
هذي احلام يقظة و قد تكون كوابيس..
شيعي عندما تتضايق عليه الامور يقرأ حديث الكساء و الذي يتضمن اعلى مضامين الارتباط الاسري في الكون ..
ثقافتنا تكرّست على : الاب و الام و الجد و الجدة والابناء و ازواجهم …
فالعائلة هو المجتمع الصغير في فكر اتباع اهل البيت ع
و هي البيت الاساس الذي لا يفكّر أحدٌ بهدمه ..

شيعي يسمع الرسول يقول :(( زوّجوا أياماكم فإنّ الله يُحسن لهم في أخلاقهم ويُوسع لهم في أرزاقهم ويزيدهم في مروّاتهم )).
4- ميزان الحكمة، ج2، ص1179.

خمسون يوما يستذكرون بفخر الاسرة الكريمة لرسول الله و يتعاطفون مع مسير السبايا و يعتزون بنموذج الاسرة زينب عليها السلام .

الشيعة آخر قلاع الاسرة لأنهم شيعة الاسرة .

لذلك استهـ..ـدفوهم .

وصارت كربلاء كل سنة تجي إلهم…

حتى إذا هم ما راحولهه.

تجي بالسواد.

بالراية.

بالصوت.

بالقصيدة.

وبذاك الحزن الغريب اللي يدخل للبيت بمحرم بلا ما يطرق الباب.

مرت سنين.

دول راحت.

دول إجت.

ملوك نزلوا من عروشهم.

حكام علّگوا صورهم بكل شارع، وبعدين إجت أيام انشالت بيها الصور وبقت الحيطان تحلم صورة علي .

و بس النخلة ظلت بمكانها.

و دجلة ظل يمشي.

والمجالس ظلت تنفرش.

وكأن النخلة كل ما يجي حاكم جديد، تباوعله من فوگ وتگله:

— إنت ابن يوم… وأنا بنت الگاع.

لأن أهلنه يگولون:

«الما إله أول، ما إله تالي.»

وأول هالناس ما چان تاريخ مكتوب على ورق وبس.

چان حچاية تنحچي.

بليالي الصيف، من تنطفي الشمس ويبدي الهوا يتحرك بين سعف النخل، يگعدون الزلم بره.

حصيرة.

استكان چاي.

راديو صغير.

والأطفال يلعبون قريب منهم.

واحد من الشيبة يحچي عن علي.

عن شجاعته.

عن عدله.

عن بابه اللي، بصورتهم الموروثة عنه، ما انسد بوجه محتاج.

وطفل بالنهاية يسأل:

— جدي… يعني علي چان قوي؟

يرد الشايب:

— قوي.

— يعني ما يخاف؟

يضحك الجد:

— جدي الشجاع اللي ما يخاف ، الشجاع اللي يعرف الخوف، ولا يخلي الخوف يصير سيده.

تسكت الگعدة.

ويظل الطفل يفكر بالجملة.

يمكن ينساها باچر.

بس الجملة ما تنساه.

تبقى نايمة بمكان ما بداخله…

إلى يوم يحتاجها.

وهكذا انتقل أهل البيت من جيل لجيل.

مو بس بالمنبر.

حتى بأسماء الناس.

علي.

حسن.

حسين.

عباس.

زينب.

فاطمة.

حتى صار الاسم نفسه خيط.

تنادي واحد بالزقاق:

— يا عباس!

يلتفتلك ثلاثة.

وتصيح المدرسة:

— علي!

يرفعون إيديهم خمسة.

تضحك الصفوف.

بس ورا هالضحكة أكو تاريخ.

وبين كل الأسماء، ظل اسم الحسين إله وجع ثاني.

لأن الحسين، عندهم، ما بقى رجل بالتاريخ وبس.

صار سؤالاً:

إذا صار الظلم… وين توگف؟

ولهذا من يسمعون حچاية الطف، ما يسمعوها مثل سالفة خلصت.

كل جيل يرجع يسأل نفسه بيها.

ولهذا ظلت كربلاء حاضرة.

مو لأن الناس تحب الحزن.

بس لأن بعض الجروح تتحول إلى ذاكرة…

وبعض الذاكرة تتحول إلى هوية.

وعلى طرف واحد من أنهار الجنوب، چانت أكو قرية صغيرة.

مو چبيرة حتى المسؤولين يحفظون اسمها.

ولا صغيرة حتى ما يكون بيها عالم كامل.

بيوتها من طين.

النخل محاوطها.

الصبح يجيها بصياح الديچ.

والليل ينزل عليها بسرعة، وما يبقى غير ضوه الفوانيس.

هناك…

چان أكو بيت.

بيت بسيط، إذا مطرت السما، يحطون طشت تحت المكان اللي يگطّر منه السگف.

وإذا إجه ضيف، ينفرش أحسن فراش بالبيت حتى لو أهل البيت ينامون على الحصير.

لأن أهل الجنوب يگولون:

«الضيف ضيف الله، والبيت بيت أبوه.»

وبهذا البيت…

چانت أكو طفلة.

شعرها أسود.

أسود مثل ماي الهور بالليل من تغيب الگمره.

وأمها كل صبح تگعدها گدامها، تقسّم شعرها نصين.

تسحب هاي الخصلة.

وتضم ذيج.

وتجدل.

والطفلة تتلوى:

— يمّه بهداي
شوي شوي!
وجعتيني!

تضحك أمها:

— اگعدي عدل، إنتِ و عطوبچ.

— خليهن مفتوحات.

— مفتوحات؟ حتى ترجعينلي من اللعب وشعرچ بيه چعچ ؟

وتكمل الجدلة الأولى.

وبعدين الثانية.

ومن تخلص، تضربها ضربة خفيفة على كتفها:

— يلله… روحي هسه.

وتطير البنية من الباب.

ووراها…

تطير ظفيرتين.

اسمها:

إفهيمة.

ويمكن الاسم چان أكبر منها ذاك الوكت.

لأن إفهيمة بعدها ما فاهمة من الدنيا غير أشياء قليلة:

تعرف بيتهم.

تعرف أمها.

تعرف أبوها من يرجع تعبان ، و احافير رجله لطالما خدشت يديها الناعمتين و هي تحاول تدليكهما لازاحة التعب عنه .

تعرف طريق النهر.

تعرف شجرة التوت.

وتعرف أن من يجي محرم، أمها تطلع السواد.

بس ما تعرف ليش الكبار كل ما يحچون عن الدنيا يتنهدون.

ما تعرف شنو يعني الفقر و المرض و الجهل .

لأن الطفل إذا كل أهل القرية فقراء، يحسب الفقر هو شكل الحياة الطبيعي.

ما تعرف شنو يعني دولة.

ولا حـ..ـرب.

ولا سياسة.

ولا تدري أن أكو رجال بعده ما دخل حياتها…

راح يصير يوم من الأيام نص عمرها.

اسمه:

كريم چعلول ، شابٌ أخذ سماره من دهلة الهور .

بذاك العصر، چانت إفهيمة تركض بين النخل.

حافية.

تطارد بنات الجيران.

والتراب يصعد من ورا رجليها.

ظفيرتها اليمنى تروح يمين.

واليسرى تروح يسار.

وكأنهن جناحين مربوطين بظهرها.

ومن بعيد، الشمس بدت تنزل بالهور.

الماي صار بلون الشمس المغادرة .

الجاموس يطلع من الگصب.

ريحة خبز التنور بدت تمشي بين البيوت.

وفجأة، انشق المكان بصوت أمها:

— إفهيمــــــــة!

البنية ما ردت.

— إفهيمة! يمّه تعالي… المغرب أذّن!

وقفت.

إيدها بيها طين.

رجلها مجروحة جرح صغير من الگصب.

وشعرها، رغم الظفيرتين، منفوش من اللعب.

باوعت للشمس.

وبعدين للبيت.

وركضت.

وهي تركض…

ما چانت تدري أن هذا الطريق الصغير بين النخل والبيت، راح يصير بعد سنين أطول من كل الدروب.

ما تدري أن الظفيرتين راح يكبرن وياها.

وأن أمها راح تعلمها شلون المرأة تسند بيتاً حتى لو الحيطان نفسها تريد توگع.

ما تدري أن شاباً فقيراً اسمه كريم چعلول راح يوگف يوم من الأيام ببابهم، وهو شايل من الحياء أكثر مما شايل من الدنيا.

وأنها راح تباوعله وتسأل نفسها:

أبني عمري ويّاه؟

لو أخاف من باچر؟

وما تدري أن باچر نفسه…

چان يحضّر لكريم حـ…ـرباً.

حـ…ـرب ما سألت الشاب إذا يريدها.

ولا سألت إفهيمة إذا تتحمل انتظارها.

ركضت إفهيمة للبيت.

وقبل لا تدخل، سمعت من الداخل صوت أمها.

چانت تردد بصوت خافت مرثية قديمة عن الحسين.

وقفت البنية لحظة.

ما فهمت كل الكلمات.

بس فهمت النبرة.

نفس النبرة اللي سمعتها بالمجلس.

دخلت.

گالت أمها:

— وين چنتِ؟

— ألعب.

— لهسه؟

نزلت إفهيمة راسها.

أمها حاولت تبين معصبة…

بس ضحكت.

مدت إيدها ومسحت الطين من خد بنتها.

— روحي اغسلي إيديچ وتعالي تعشي.

إفهيمة مشت خطوتين.

وبعدين التفتت:

— يمّه؟

— ها؟

— من أكبر… هم أبچي على الحسين؟

توقفت الأم.

باوعت إلها.

وبابتسامة بيها شي من الحزن، گالت:

— من تكبرين، يمّه، راح تعرفين ليش الناس تبچي.

إفهيمة ما فهمت.

ركضت للماي.

والسنين…

چانت واگفة بره الباب.

تنتظرها.

حـ…ـرب تنتظر.

حب ينتظر.

فگد ينتظر.

كريم ينتظر.

وعراق كامل، بعده ما يدري شكد راح يتعب أهله.

أما إفهيمة…

فذاك الليل نامت وظفيرتيها يم خدها.

نامت وهي ما تعرف من الدنيا غير بيت صغير، وأم، وأب، وحسين تسمع اسمه فيبچي الكبار.

وما چانت تدري أن عمرها كله، مهما أخذته الدنيا بعيد…

راح يظل مربوطاً بذاك الخيط.

خيط ابتدأ من علي…

ومر بالحسين…

ودخل بيتهم…

وتعلّگ بظفيرتي طفلة جنوبية اسمها إفهيمة.

وبعد عمر طويل، طويل كلش…

راح ترجع إفهيمة تمسك نفس الخيط بإيد مرتجفة من الكبر.

بس ذاك اليوم…

بعدها طفلة.

وباجر…

تبدي حچايتها.

يتبع…