رجل الدين والشارع العراقي_ هل نرى القشور وننسى الجذور؟!
كاظم الطائي _Nor ||

يتجدد في العراق، بين فترة وأخرى، الجدل حول النشيد الوطني، فتتصدر بعض الشخصيات الدينية والفكرية المشهد مطالبة بتغييره أو إعادة النظر في كلماته، وتتحول المسألة إلى موضوع واسع التداول في وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن المشكلة الأساسية التي تواجه المجتمع العراقي تكمن في نص النشيد، لا في الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يعيشه المواطن يوميًا. ولا شك أن النشيد الوطني يمثل رمزًا من رموز الهوية والانتماء، وأن للكلمات أثرًا معنويًا في تشكيل الوعي الجمعي، إلا أن قيمة الرمز لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن معالجة الواقع، ولا أن تتقدم على القضايا التي تمس حياة الإنسان وكرامته بصورة مباشرة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن جزءًا من هذا الجدل تقوده شخصيات دينية وفكرية تمتلك خلفية علمية ومعرفية عميقة، ومرجعيات فكرية مرتبطة بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، الأمر الذي يفترض أن يجعل رؤيتها للشأن العام أكثر ارتباطًا بمفهوم العدالة الاجتماعية، وبقضايا الإنسان وحقوقه وكرامته، لا أن تنحصر في القضايا الرمزية التي لا يترتب عليها، في حد ذاتها، تغيير حقيقي في الواقع.
وهنا تبرز مسؤولية رجل الدين بصورة أكثر وضوحًا؛ فالموقع الديني، عندما يتجاوز حدود الوعظ الفردي إلى المجال العام، يصبح حاملًا لمسؤولية أخلاقية واجتماعية تتطلب منه أن يضع الإنسان في مركز اهتمامه، وأن ينظر إلى العدالة باعتبارها ممارسة اجتماعية ومؤسسية، وليست مجرد مفهوم ديني أو خطاب أخلاقي. فرجل الدين الذي يمتلك المعرفة الدينية، ولا سيما من ينتمي إلى بيئة علمية وفكرية عريقة كالحوزة العلمية في النجف الأشرف، يفترض أن يكون أكثر إدراكًا لمفهوم العدالة وأبعادها، وأكثر قدرة على التمييز بين القضايا الرمزية والقضايا التي تمس جوهر حياة المجتمع.
إن مسؤولية رجل الدين لا تبدأ من صياغة الكلمات التي تعبّر عن الوطن، وإنما من السؤال عن الإنسان الذي يعيش داخل هذا الوطن: هل يحصل على حقه في التعليم؟ هل يمتلك مسكنًا لائقًا؟ هل تتوفر له الخدمات الأساسية؟ هل يجد نظامًا صحيًا يحفظ كرامته؟ هل توجد عدالة في توزيع الثروة والفرص؟ وهل يشعر المواطن بأن الدولة تتعامل معه باعتباره صاحب حق، لا مجرد رقم في سجلاتها أو صوت في موسم انتخابي؟
هذه الأسئلة أكثر ارتباطًا بجوهر المسؤولية الدينية والأخلاقية من الجدل حول نص نشيد؛ لأن العدالة لا تُقاس بما نقوله عن الإنسان، وإنما بما نفعله من أجله. وإذا كان رجل الدين يمتلك سلطة رمزية وتأثيرًا اجتماعيًا، فإن هذه السلطة تفرض عليه أن يوجه الخطاب العام نحو معالجة أسباب الظلم والفقر والتهميش والفساد، لا أن يكتفي بإعادة إنتاج نقاشات رمزية لا تمتلك القدرة وحدها على تغيير الواقع.
والإشكالية لا تكمن في المطالبة بتغيير النشيد بحد ذاتها؛ فمن حق أي مواطن أو شخصية دينية أو ثقافية أن يرى في نص معين ما لا ينسجم مع تصوراته الوطنية أو التاريخية. وإنما تكمن الإشكالية في ترتيب الأولويات. فحين تصبح قضية النشيد موضوعًا مركزيًا، بينما تبقى قضايا الفقر والبطالة والسكن والخدمات والفوارق الطبقية والفساد الإداري والمالي في مرتبة ثانوية، يصبح من المشروع طرح سؤال نقدي: هل نجح الخطاب الديني في الانتقال من مستوى الرمز إلى مستوى المسؤولية الاجتماعية؟
إن رجل الدين الذي يتصدى للشأن العام لا يستطيع أن يفصل بين الخطاب الديني والواقع الاجتماعي؛ لأن الدين، في جوهره الأخلاقي، لا يكتفي بوصف الفضيلة، وإنما يطالب بإقامتها في حياة الناس. والعدالة تحديدًا ليست مفهومًا تجريديًا يمكن اختزاله في الخطب والمواعظ، بل هي معيار يمكن قياسه من خلال واقع الإنسان ومؤسسات الدولة وطريقة توزيع الموارد والحقوق والفرص.
ومن هنا تبدو المفارقة العراقية شديدة الدلالة: فقد استطاعت بعض المؤسسات أن تنشئ مقابر منظمة ونموذجية تمنح الأموات فضاءً لائقًا، في الوقت الذي يعيش فيه أحياء كثيرون في مناطق تفتقر إلى أبسط شروط الحياة الكريمة. ولا تكمن المفارقة في الاهتمام بالموتى، فذلك جزء من احترام الإنسان، وإنما في أن يتحول الاهتمام بالشكل الحضاري للمكان بعد الموت إلى مستوى يتجاوز الاهتمام بكرامة الإنسان وهو على قيد الحياة.
وهنا ينبغي أن يُطرح السؤال بصورة أكثر عمقًا: ما قيمة أن نمنح الإنسان مكانًا لائقًا لدفنه، إذا كنا عاجزين عن أن نمنحه مكانًا لائقًا للعيش؟ وما قيمة أن نبحث عن كلمات وطنية جميلة، إذا كان المواطن نفسه لا يجد في وطنه الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة؟ إن الوطنية ليست نصًا يُتلى فحسب، وإنما هي منظومة من الحقوق والواجبات والعدالة والانتماء المتبادل بين المواطن والدولة.
إن مسؤولية رجل الدين في المجتمع لا تتمثل في معارضة الظواهر أو تأييدها فحسب، وإنما في بناء وعي قادر على ترتيب الأولويات. وعندما يكون الفقر أكثر إيلامًا من سوء صياغة نشيد، وعندما يكون غياب الخدمات أكثر تأثيرًا في حياة المواطن من مضمون قصيدة، وعندما تكون الفوارق الطبقية أكثر خطرًا على استقرار المجتمع من اختلاف الكلمات، فإن الأولوية الأخلاقية ينبغي أن تتجه إلى هذه القضايا قبل غيرها.
وإذا كان رجل الدين يريد أن يجعل من خطابه مشروعًا فكريًا مؤثرًا، فإن عليه أن يحول مفهوم العدالة من شعار إلى برنامج، ومن موعظة إلى موقف، ومن قيمة أخلاقية إلى مطالبة واضحة بإصلاح المؤسسات ومكافحة الفساد وحماية الفئات الأضعف وتقليص الفوارق الاجتماعية. عندها فقط يصبح الخطاب الديني قادرًا على أن يستعيد دوره الحقيقي في المجتمع، لا بوصفه سلطة رمزية فحسب، وإنما بوصفه قوة أخلاقية تراقب الانحراف وتدافع عن الإنسان وتضع السلطة أمام مسؤولياتها.
إن المشكلة الحقيقية ليست في النشيد، ولا في تغيير النشيد، وإنما في أن يتحول الجدل حول الرموز إلى وسيلة لإبعاد النظر عن جوهر الأزمة. فالعراقي لا يحتاج إلى وطن جميل في الكلمات فقط، وإنما إلى وطن عادل في الواقع. ولا يحتاج إلى أن يسمع العدالة في نشيد، بقدر حاجته إلى أن يلمسها في حياته اليومية_
وهنا تحديدًا تتحدد مسؤولية رجل الدين: أن يجعل الإنسان قبل الرمز، والعدالة قبل المظاهر، والحقوق قبل الشعارات، والواقع قبل القشور.




