الجمعة - 11 سبتمبر 2026

ساسة العراق ونصيحة ميكافيلي للأمير بتقريب المنافقين ولكن؟!

منذ 12 ساعة
الجمعة - 11 سبتمبر 2026

عدنان جواد ||

 

 

 

يبدو ان ساسة العراق امراء اليوم يطبقون نصيحة ميكافيلي للأمير بكل تفاصيلها، ومن تلك النصائح تقريب المنافقين ولكن يخالفونه تمكينهم زمنحهم كامل الصلاحيات، ينصح ميكافيلي الأمير بان يحتفظ بأكبر عدد من المنافقين ، ويشجعهم على التمرس في النفاق والمداهنة ، لانهم يمثلون جيش موازي يبرر للأخطاء ويجمل القبائح، ويصفون كلماته الفارغة من المحتوى بانها اكثر الكلمات حكمة ورزانة،

وكلما ازداد الأمير ظلما وطغياناً ازدادوا له تعظيماً وتبريراً ومدحاً، ونحن راينا الكثير منهم في زمن نظام صدام، كانوا يؤلهونه ويعظمونه ، كانوا يصفونه بالقائد الضرورة، والبطل القومي والاممي ، وكل ما يقول او يكتب يمدحونه وانه لم ينطق به احد قبله، مثل رواية (زبيبة والملك ) ، وصفها المنافقون بانها اعظم رواية، في حين قيمها النقاد بانها ليس لها طعم ولا لون ادبي ، وانه افضل قائد تولى السلطة في العراق ، وتم مقارنته بنبو خذ نصر وحمورابي وسعد بن ابي وقاص، وسبحان الله وبعد سقوطه غيروا جلودهم كالحرباء، فادعى البعض منهم انهم كانوا من معارضي النظام السابق، فحصلوا على الامتيازات والمناصب والمزايا من النظام الجديد، وعادوا الى مهنتهم السابقة في مدح القادة الجدد.

ولكن ميكافيلي اشترط على الأمير حدود وضوابط في تقريبهم أي المنافقين، بان يمنحون بعض العطايا التي توهمهم بانهم متميزون على غيرهم ، ولكن هذا العطاء يجب ان يكون محدود وان يعطى لهم باحتقار، حتى لا يتجاوزوا حدودهم، ويحذر ميكافيلي الأمير من ان لا يتخذ هؤلاء المنافقين خليلاً او مستشاراً، لان مجالستهم تجلب الوضاعة، ومشورتهم خادعة قد تكون عار على الحاكم، لان ولاءهم ليس حقيقياً بل مصلحي ومؤقت، فاذا ضعف السلطان او ظهر منافس على العرش، فانهم سوف ينقلبون الى الد اعدائك، وبالنص ” احذر من المنافقين؛ فلا تسمح لاحد ان يخدعك بمدح زائف، واختر حولك رجالاً صادقين يقولون لك الحقيقة، ثم احكم بعقلك لا بما يرضيك” ويقول له: ” على الأمير ان يتعلم كيف يفرق بين اعز القوم وحقراء الناس، والمنافقون هم احقر البشر وقد اوجدتهم الطبيعة لخدمة الملك كما اوجدت الكلاب لخدمة الراعي” فالمنافقين ينامون على عتبات القصور في انتظار فتات يلقيه عليهم الحاكم.

ولكن الساسة عندنا خالفوا وصايا ميكافيلي للأمير في قضية تقريبهم للمنافقين، فلم يقتصر وجودهم على التملق والتبرير وتجميل الصورة للحاكم ومنحهم القليل والفتات مما يستحقون، جعلهم الامراء الجدد اسياد ووضعوهم في مناصب تشريفية، واصبحوا يأمرون وينهون، وكل همهم الربح ، لذلك انتشر الفساد والابتزاز في كل مفاصل الدولة، والمشكلة انهم عندما يسرقون يدافع عنهم ذلك الأمير الذي مكنهم، وصار واضحاً عند الشعب العراقي، ان من يكثر الصياح ويتكلم بصوت عالي ويدعي النزاهة والوطنية والحرص على المال العام هو اكبر السارقين،

ومع الأسف فان حكامنا اليوم لا يسمعون الا لمنافقيهم، الذين يجملون لهم القبيح ، ولا يخبرونهم بالواقع الذي تعيشه الناس، وعندما يتكلم احد عن الجوع والمعيشة الصعبة وعدم الاستطاعة في شراء العلاج للمرضى يستغربون، بل ان بعضهم انكر وجود ناس محتاجة ومعوزة في العراق ، وما يثير الشجون والاحزان انهم يبعدون الصادقين، الذين ينقلون لهم الحقيقة، وينصحونهم بما هو في صالح سلطانهم وصالح الناس ،

فحتى ميكافيلي كان صادقاً مع اميره ، ولكن في بلدنا كثر الحواشي وبدون أي نفع ، وكما يقال من حوى الحواشي ما حوى شي، صحيح ان ميكافيلي قال للأمير ليس من الضروري ان تمتلك صفات جيدة مثل : الوفاء ، والرحمة، والتدين، والنزاهة، ولكن من الضروري جداً ان تبدو وكأنك تمتلكها، فالناس يحكمون بما يرونه بأعينهم لا بما يلمسونه بأيديهم، اليوم الساسة يعدون الناس بانه سوف يحاربون الفساد وبناء الدولة وإعادة الأموال المسروقة، ولكن الواقع يثبت غيرذلك لانهم لازالوا يقربون المنافقين ، فالكثير منهم تم توزيرهم وتوكيلهم ، وهم كل همهم مصالحهم الشخصية ومصالح الحزب والكتلة على حساب الدولة والشعب، وهذا العمل فيه ظلم كبير والظلم لا يدوم.