الجمعة - 11 سبتمبر 2026
منذ 12 ساعة
الجمعة - 11 سبتمبر 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

 

سُئِلَ أمير المؤمنين “عليه السلام”: «أيُّ شيءٍ ممّا خلق الله أحسن؟» فقال “عليه السلام”: «الكلام». فقيل: أيُّ شيءٍ ممّا خلق الله أقبح؟ قال: «الكلام». ثم قال “عليه السلام”: «بالكلام ابيضّت وجوه، وبالكلام اسودّت وجوه».
تحف العقول عن آل الرسول. ص٢١٦

لعلّ في هذا القول البليغ لأمير المؤمنين “عليه السلام” ما يدعونا إلى التوقف طويلًا عند حقيقة الكلمة وأثرها. فالكلام الذي وصفه “عليه السلام” بأنّه قد يُبيّض وجوهًا ويُسوّد أخرى، ليس هو ما نتلفظ به بألسنتنا فحسب، وإنما يمتدّ مفهومه في زماننا إلى كل ما نكتبه ونقوله وننشره ونؤيده ونُسهم في ترويجه، ولا سيما في هذا الفضاء الافتراضي الذي أصبحت فيه الكلمة أسرع انتشارًا من البرق، وأبعد أثرًا من الريح.
ويقول الله عزّ وجلّ:
{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق: ١٨
نجد في هذه الآية اهتمامًا بألفاظ الإنسان، وهذا الأمر يدلّ على أهمية القول وأثره في حياة الناس، حتى إنّ جملة واحدة أو عبارة قصيرة قد تؤدي إلى تغيير مسار مجتمع نحو الخير أو الشر. ومع ذلك، نرى أنّ بعض الناس لا يعتقدون بأنّ الكلام جزءٌ من أعمالهم المحسوبة عليهم، ويرون أنفسهم أحرارًا في الكلام، مع أنّ الكلام من أكثر الأمور تأثيرًا، ومن أخطرها في حياة الناس.

وفي ظلّ التطور التكنولوجي الحديث، الذي جعل الكلمة تتجاوز حدود المكان والزمان، ندرك أكثر ما قاله أمير المؤمنين “عليه السلام”: «بالكلام ابيضّت وجوه، وبالكلام اسودّت وجوه»، إذ أصبحت الكلمة في عصرنا أشدّ مسؤولية، لأنّ الكلمة التي كانت تصل إلى القليل، أصبحت اليوم قادرةً على الوصول إلى الملايين، في مساحاتٍ أوسع ومدياتٍ أشمل.
وعليه، لا نقول: أعرض عن هذا الفضاء وقل سلامًا، ولا ندعو إلى الإبتعاد عن التقنية ووسائل التواصل، إنما نقول: ينبغي التأمّل واليقظة وتوخّي الحذر.
ونحن نجوب في عالم السوشيال ميديا، ونتصفح مواقعه المتنوعة، وبينما نَهمّ بالكتابة أو التعليق أو المشاركة أو الإعجاب أو إعادة النشر، ينبغي أن نستحضر ميزان التقوى، وأن نستشعر عين الله الناظرة، التي تُعرَض عليها أعمالنا في كل أسبوع مرتين، وأن نتذكر أنّ ما نراه مجرّد ضغطة زرّ على شاشة، إنما هو موقفٌ نعطيه من وقتنا، ونمنحه جزءً من حضورنا انتشارنا.
وقد يصبح ذلك المحتوى الذي ساهمنا في نشره أثرًا من آثارنا، وهو في ميزان الله موقفٌ ومسؤولية وأثرٌ يلازمنا بعد مماتنا، نلقاه ماثلًا يوم الحساب.
يقول الله عزّ وجلّ:
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتی‌ وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ}يس ١٢
هو دليل على انّ كل ما يصدر من الإنسان يثبت في صحيفة عمله، ويحضر له في يوم القيامة بصورة كتاب. أمّا تعبير “وآثارهم” إشارة إلی الأعمال التي تبقی بعد الإنسان و تنعكس آثارها علی المحيط الخارجي، وتصبح سُننًا توجب الخير والبركات، أو تؤدّي إلی الشرّ واتباع المعاصي.
فالعالم الافتراضي سلاحٌ ذو حدّين، ونتائجه سلبًا أو إيجابًا تتحدّد إلى حدّ كبير بطريقة مستخدِمه. فقد تكون المنصة بابًا لنشر العلم والفضيلة، وقد تكون بابًا للفتنة والتسقيط ونشر الرذيلة، وقد تكون الكلمة فيها سببًا لهداية إنسان، كما يمكن أن تكون سببًا في جرح إنسان، أو ظلم إنسان، أو إشعال خصومة بين الناس.
لذا، فإنّ تكليفنا لا يتمثل في مجرد الحضور في هذا العالَم الخطِر، الذي بات ميدانًا تُمرَّر فيه المنكرات، وتُسوَّق بعض الرذائل والفواحش بأساليب ناعمة مزخرفة، كما تُدفع من خلاله ثقافات وأفكار لا تنسجم مع قيم مجتمعاتنا وتقاليدها.
ومن هنا تبرز مسؤولية المكلَّف في أن يمتلك من الوعي والبصيرة ما يجعله مستخدِمًا واعيًا لهذه التقنية، لا أداةً تستخدمهُ هي لتمرير ما لا يؤمن به من أفكارٍ دخيلة، تُربك منظومته القيمية التي تربّى عليها.
ولكن إذا حضرنا، فكيف يكون حضورنا؟ وما الأثر الذي نتركه فيه؟ وهل نضيف شيئًا يستحق أن يبقى، أم نساهم في زيادة الضجيج؟ هل ننشر ما ينفع، أم نمنح مساحةً لما يسيء؟ وهل حين نختلف نكون جزءًا من الحل، أم جزءًا من المشكلة؟.
أمّا أخطر ما ينبغي أن نتوقف عنده في هذا السياق، هو ظاهرة التسقيط التي باتت تجد في العالم الافتراضي بيئةً خصبة للانتشار. وقد لا يكون التسقيط بكلمةٍ صريحة، وإنما بخبرٍ لم يُتحقق منه، أو مقطعٍ مبتور، أو صورةٍ مجتزأة من سياقها، أو تعليقٍ ساخر، أو تلميحٍ مقصود، أو إعادة نشر مادةٍ، يَعرف أو يَظن أنّها ستسيء إلى شخصٍ ما، دون النظر إلى موقعه في المجتمع، وقد تتحول الكلمة إلى حكمٍ جائر على إنسان لم يُتَح له أن يدافع عن نفسه!.
الخلاصة:
لا تفرح كثيرًا بحجم حضورك، ولا بكثرة متابعيك، ولا بعدد الإعجابات والمشاهدات، فهذه الأرقام، مهما بدت كبيرة، تبقى جزءً من عالمٍ متغيّر، قد يتلاشى حضوره أو يتبدل في لحظة.
أما ما يتركه الإنسان في صحيفة عمله، فلا تحكمه خوارزميات المنصات، ولا تمحوه ضغطة زر. وإنّ ما يبدو لنا افتراضيًا قد يكون حقيقيًا جدًا في ميزان أعمالنا.
والله تعالى يقول:
{هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
[الجاثية: ٢٩]
وكما جاء عن أمير المؤمنين “عليه السلام” في نهج البلاغة:
«رُبَّ كلمةٍ سَلَبَتْ نعمةً، فاخزُن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك».

٢٨-رييع أول-١٤٤٨هـ
١٠- أيلول-٢٠٢٦م