الخميس - 10 سبتمبر 2026

تقلبات السياسة العالمية وانعكاساتها على الوضع السياسي في العراق ـ العهد الملكي أنموذجا..!

الخميس - 10 سبتمبر 2026

المهندس عبد الجبار الجزائري ||
١٠ أيلول ٢٠٢٦

 

 

دخل الجيش العراقي إلى السياسة مبكرا، وكان انقلاب بكر صدقي سنة 1936 محطة مفصلية فتحت الباب أمام تدخل المؤسسة العسكرية في الحكم. فقد أسقطت حكومة ياسين الهاشمي، وصعد حكمت سليمان، في وقت كان فيه الملك غازي يميل إلى خطاب قومي معارض للنفوذ البريطاني، وكانت ألمانيا تظهر لبعض القوى العراقية بوصفها قوة صاعدة يمكن أن توازن الهيمنة البريطانية.
لكن مرحلة بكر صدقي لم تدم طويلا. اغتيل سنة 1937، وسقطت حكومة حكمت سليمان، ثم توفي الملك غازي سنة 1939 في حادث بقي محاطا بالشكوك السياسية. ومع تولي عبد الإله الوصاية وتعاظم نفوذ نوري السعيد، عاد الاتجاه البريطاني ليكون الأكثر تأثيرا في الدولة.
والمفارقة أن العقداء الأربعة، الذين عارضوا نفوذ بكر صدقي في الجيش، تحولوا بعد سنوات إلى أبرز قادة الاتجاه القومي المناهض لبريطانيا. فتحالفوا مع رشيد عالي الكيلاني، ووقفوا ضد الوصي عبد الإله ونوري السعيد، وراهنوا في حركة مايس 1941 على ألمانيا باعتبارها القوة التي يمكن أن تساعد العراق في التخلص من النفوذ البريطاني.
إلا أن بريطانيا تدخلت عسكريا وحسمت المواجهة لصالحها، فعاد عبد الإله ونوري السعيد، وسقطت حركة مايس، وأعدم العقداء الأربعة.
وهكذا تحركت السياسة العراقية خلال سنوات قليلة من الميل نحو ألمانيا إلى العودة إلى بريطانيا، ثم إلى الرهان على ألمانيا مرة أخرى، ثم إلى انتصار بريطاني جديد.
لم تكن المشكلة في اختيار ألمانيا أو بريطانيا وحده، بل في سذاجة الاعتقاد بأن استقلال العراق يمكن أن يتحقق باستبدال قوة أجنبية بأخرى، أو أن مستقبل البلاد يمكن أن يبنى على توقع من سينتصر في الصراع الدولي.
وقد دفع العراق ثمنا كبيرا لهذه التقلبات: انقلابات واغتيالات وإعدامات وانقسامات داخل الجيش وتراجعا في الثقة بالنظام السياسي. كما ترسخت منذ انقلاب بكر صدقي فكرة أن الجيش قادر على تغيير الحكومات والتدخل في تحديد مسار الدولة.
ومن هنا فإن سقوط الملكية سنة 1958 لم يكن حدثا منفصلا عما سبقه، بل جاء بعد سنوات من تآكل الثقة بالنظام ومن إدخال الجيش في قلب الصراع السياسي.
لقد كانت تلك المرحلة درسا قاسيا في تاريخ العراق: حين يغيب المشروع الوطني المستقل، وتصبح السياسة الداخلية رهينة لتقلبات موازين القوى الدولية، يدفع البلد من استقراره وسيادته ومستقبل نظامه السياسي أكثر مما يربح من التحالفات المؤقتة.