الجمعة - 11 سبتمبر 2026

رؤية قرآنية: عمى الأبصار وعمى القلوب: حين يرى الإنسان ولا يُبصر ! [1_2]

منذ 12 ساعة
الجمعة - 11 سبتمبر 2026

د. رعد هادي جبارة ||
الأمين العام للمجمع القرآني الدولي

 

 

🔗خصوصية المفردة القرآنية88

[المقالة الاولى من مقالين]
🔻لا يختلف اثنان في أهمية البصر و سلامة العين و عظمة نعمة الرؤية في حياة الإنسان؛ فالعين نافذة الإنسان على عالم الشهادة، وبها يرى الأشياء والأشخاص و الطرقات والمعالم، و يمارس جانبًا واسعًا من شؤون حياته. و لذلك امتنّ الله تعالى على الإنسان بنعم السمع والبصر و الفؤاد، وجعلها من وسائل الإدراك والمعرفة.
📖قال تعالى:
«{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
[النحل: 78]»
📖وقال سبحانه:
«{أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا}
[الأعراف: 179]»
كما دعا القرآن الإنسان إلى النظر والتأمل في آيات الله في الآفاق، فقال:
«{أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}
[سورةق: 6]»
فالنظر في القرآن ليس مجرد عملية حسية تقع فيها صورة المرئي على العين، و إنما قد يكون وسيلة إلى التفكر والاعتبار و اكتشاف آيات الله في الكون والنفس.

🔻ومن هنا يبدأ السؤال الذي يقودنا إلى خصوصية المفردة القرآنية:
🔹هل كل من رأى قد أبصر؟
🔹وهل كل من امتلك العين انتفع بها؟
🔹وهل حقاً كل من رأى سر بما رأى؟!
🔻القرآن يلفت نظرنا إلى أن الإنسان قد تكون له عين سليمة، ولكنه لا يصل بها إلى الحقيقة؛ وقد تكون له أذن تسمع الأصوات، لكنه لا ينتفع بما يسمع؛ وقد يكون له قلب، لكنه لا يفقه ولا يعقل.
نقرأفي سورةيونس :
📖{ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي}
📖وقال تعالى:
«{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}
[الأعراف: 179]»
📖لنتأمل هذا البناء القرآني البديع:
🔹قلوبٌ لايفقهون بها
🔹وأعينٌ لايبصرون بها،
🔹وآذانٌ لايسمعون بها.
فالآلة موجودة، لكن أثرها المعرفي و الهدايتي معطل.

🔻وهنا تظهر دقة التعبير القرآني؛ فالمشكلة ليست دائمًا في فقد الوسيلة (العين)، وإنما قد تكون في تعطّل الانتفاع بالوسيلة.
🔹فالإنسان قد يرى المشهد، لكنه لا يرى العبرة التي وراءه،
🔹وقد يسمع الكلمة، لكنه لا يستمع الى ما فيها من هدى،
🔹وقد يعلم الحقيقةلكنه لا يفقه مقتضاها ولا يعمل بموجبها.
👈🏽وهذا هو العمى الذي يتجاوز العين إلى القلب.

🔻العمى الحسي ليس عيبًا في الإنسان
ومن المهم هنا أن نفرق بين العمى الحسي الذي يصيب العين، وبين العمى المعنوي الذي يصيب القلب.
فالقرآن لم يجعل فقد البصر ذنبًا، ولم يجعل الإنسان فاقد البصر أقل قيمة أو كرامة.بل رفع عنه الحرج فيما يتعلق بما يعجز عنه بسبب حالته، فقال سبحانه:
📖«{لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}
[النور: 61]»
وهذه الآية نفسها تؤكد أن القرآن يتعامل مع العمى الحسي بوصفه حالة إنسانية لها أحكامها و ظروفها، وليس بوصفها نقصًا في كرامة صاحبها.

🔻ومن هنا ينبغي أن نفهم المقارنة التي يعقدها القرآن بين:
👈🏽عمى الأبصار
👈🏽 وعمى القلوب
في سياقها الصحيح: فليس المقصود التقليل من شأن شخص فقد البصر وكان أعمى بالولادة أو فقد الرؤية لاحقاً، وإنما بيان أن هناك عمىً آخر أهم يتعلق بأصل الغاية التي من أجلها مُنح الإنسان أدوات الإدراك.

🔻عَمَى القَلبِ
رُوِيَ عن الإمام محمد الباقر ( ع) أنهُ قَالَ : إنّما الأعمى أعمَى القَلبِ ،ثم تلا: «فإنَّها لا تَعمَى الأَبصارُ و لكنْ تَعمَى القُلوبُ الّتي في الصُّدورِ» .
📗كتاب من لا يحضره الفقيه :1/379/1109.

🔻{فَإِنَّهَا لَاتَعْمَى الْأَبْصَارُ}
وهنا نصل إلى الآية التي تمثل قلب هذا البحث.
📖قال تعالى:
«{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 46]»
والتعبير القرآني هنا بالغ الدقة.فالقرآن لا ينكر أن العين قد تعمى، وإنما يتحدث عن العمى الذي يَحوْل بين الإنسان وبين الاعتبار بالحقائق.
إنهم يسيرون في الأرض،
ويرون آثار الأمم السابقة،
ويشاهدون مصارع المكذبين،
ويعاينون سنن الله في الكون والحياة،
لكن المشاهدة لا تتحول عندهم إلى اعتبار، والنظر لا يرتقي إلى بصيرة.
ولهذا جاء السؤال:
📖«{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ}»
ثم:
📖«{فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا}»
🔹فالسير بالبدن لا يكفي،
🔹والنظر بالعين لا يكفي،
بل لا بد من سير آخر في الداخل؛
🔹سير العقل والقلب من المشاهدة إلى الفهم،
🔹ومن الفهم إلى الاعتبار،
🔹ومن الاعتبار إلى الهداية.

🔻من النظرإلى الإبصار
وهنا تبرز خصوصية لفظ «الإبصار».فليس كل نظر إبصارًا بالمعنى الذي يريده القرآن.
🔹قد تقع الصورة في العين، ولكن لا تصل دلالتها إلى القلب.
🔹وقد يرى الإنسان آثار القدرة الإلهية في الكون، ثم يمر عليها مرور الغافلين.
🔹وقد يشاهد مصير الظالمين (فرعون وصدام)، ثم يواصل طريق الظلم [النتن وطرمبة].
🔹وقد يسمع الموعظةثم لايتغير فيه شيء.
إذن يمكن أن نقول:
الرؤية قد تكون للعين، أما الإبصار في هذا السياق القرآني فيتجاوز العين إلى إدراك ما وراء المرئي.
ولهذا كان من بديع التعبير أن يقول الله تعالى:
📖«{فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}
[الأنعام: 104]»
فالآية لا تتحدث عن مجرد قوة العين الباصرة وضعفها، وإنما عن موقف الإنسان من البصائر التي جاءته من ربه.

🔻البصائرمن عندالله
ومن أجمل ما يكشفه القرآن عن حقيقة الإبصار المعنوي أنه سمّى آياته وحججه
🔹«بصائر»🔹

📖قال تعالى:
«{قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ}
[الأنعام: 104]»
فالبصائر هنا ليست عيونًا حسية، وإنما هي آيات وحجج وبيّنات تكشف للإنسان طريق الحق.
وهذا يقودنا إلى معنى بالغ الأهمية:
🔹البصيرة القرآنية ليست مجرد ذكاء،
🔹ولا سرعة بديهة،
🔹ولا سعة خبرة،
🔹ولا فراسة مجردة؛
وإنما هي إدراك يهدي إلى الحق ويثمر موقفًا منه.
🔸قد يكون الإنسان ذكيًا ولا يكون بصيرًا.
🔸وقد يكون واسع المعرفة ولا يكون مهتديًا.
🔸وقد يمتلك قدرة كبيرة على تحليل الأشياء، لكنه يعجز عن رؤية الحقيقة التي ينبغي أن يهتدي إليها.

🔻أما البصيرة في المنظور القرآني، فهي معرفة تكشف للإنسان الحق وتجعله قادرًا على التعامل معه على هدى.

🔻القلب الذي يعقل
📖قال تعالى:
«{فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا}»
والتعبير بـ «قلوب يعقلون بها» يلفت النظر إلى أن القضية ليست قضية معلومات فحسب، وإنما قضية قلب ينتفع بما يعلم.
وقد ورد عن مجاهد في تفسير هذا المعنى ما خلاصته أن للإنسان عينين في رأسه يرى بهما دنياه، وأعينًا في قلبه يبصر بها آخرته؛ فإن عميت أعين الرأس وأبصرت أعين القلب لم يضره ذلك، وإن أبصرت أعين الرأس وعميت أعين القلب لم ينفعه نظره،البتة.
والمعنى الذي يلفت إليه هذا القول أن القيمة ليست في مجرد امتلاك أداة الإدراك، وإنما في سلامة الإدراك الذي يقود إلى الحق.
وليس المقصود الدخول في الجدل حول محل العقل من الناحية الفلسفية أو الطبية، وإنما الوقوف عند 👈🏽التعبير القرآني الذي أسند التعقل إلى القلب👉🏽 في هذا المقام؛ ليبين أن الهداية ليست نشاطًا ذهنيًا مجردًا، وإنما لها صلة وثيقة بداخل الإنسان ووجدانه وإرادته.

🔻حين ترى العين ولا يرى القلب‼️
وهنا تبلغ المفارقة القرآنية ذروتها:
🔹إنسانٌ يرى بعينيه، لكنه لا يرى الحقيقة.
🔹وإنسان يسمع بأذنيه، لكنه لا يستمع صوت الهدى.
🔹وإنسان يملك قلبًا، لكنه لا يفقه به.
فأيُّ عمى أشد؟

🔻إن فقد الإنسان بصره الحسّي قد يحجبه عن بعض الأشياءالمرئية في عالم الشهادة، لكنه لا يَحوْل بينه وبين الإيمان والعلم و الكرامة والهداية ( مثاله: ابن ام مكتوم).
أما حين يفقد الإنسان بصيرة القلب، فقد يرى كل شيء من حوله، لكنه لا يرى الطريق:طريق الهدى!!.
وهذا هو الخطر الذي تحذر منه الآية:
📖«{وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}»
🔹فالعمى هنا ليس عمى العين،
🔹وإنما عمى الإدراك عن الحق،
🔹وعمى القلب عن العبرة،
🔹وعمى الإنسان عن الغاية التي ينبغي أن يقوده إليها ما يرى ويسمع ويعلم.

🔻بين «أبصَرَ»و«عمِيَ»
ومن لطائف القرآن أن المقابلة جاءت بين:
👈🏽{فَمَنْ أَبْصَرَ}
و
👈🏽{وَمَنْ عَمِيَ}
فالإبصار هنا ليس مجرد وقوع المرئي في مجال العين، وإنما هو موقف من البصائر التي جاءت من الله.
🔻ومن هنا يصبح الإبصار مسؤولية:
📖«{فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ}»
كما أن العمى مسؤولية:
📖{وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}
فالإنسان لا يُلام لأنه لم يَرَ بعينه ما لا يستطيع رؤيته، وإنما يُلام حين تُعرض عليه آيات الحق، وتقوم عليه الحجة، ثم يعرض عنها قلبه ولا ينتفع بها.

🔻السير في الأرض: من المشاهدة إلى العبرة
ومن اللافت أن القرآن لم يقل:
(أفلم ينظروا في الأرض!)
بل قال:
📖«{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ}»
فالسير حركة في المكان، لكنه في القرآن يمكن أن يتحول إلى وسيلة لحركة الفكر والقلب والتسامي في مدارج العرفان والعلم.
👈🏽عندمايمر الإنسان على آثار من سبقوه، فيرى القصور الفاخرة والسيارات الفارهة والأموال المتكاثرة والأزواج والأولاد والبساتين التي آلت الى الخراب والقبور وصارت أثرًا بعد عين، ثم يسأل نفسه:
🔹أين ذهب أصحابها؟
🔹وماذا بقي لهم؟
🔹ولماذا أهلكوا؟
🔹وما السنن التي لا تتغير؟
🔸هنا يتحول النظر إلى اعتبار.
🔸وتتحول المشاهدة إلى بصيرة.
🔸ويتحول الإبصار إلى هداية.
أما إذا بقيت العين عند حدود الصورة ولم يتجاوز القلب إلى العبرة، فقد رأى الإنسان، لكنه لم يُبصر.
وهذه من أعمق الدلالات التي يحملها قوله تعالى:
📖«{فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا}»
وليس كل من سمع قد استمع
والقرآن لا يحصر هذه القضية في العين.
فالآية نفسها تقول:
📖«{أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}»

وهذا يفتح لنا بابًا مهمًا في الحلقة القادمة؛ فكما أن هناك فرقًا بين الرؤية والإبصار، فهناك فرق في الاستعمال القرآني بين السماع الذي تلتقطه الأذن والاستماع الذي ينتفع به القلب.
🔹فالإنسان قد يسمع الآية ولا يتدبّرها،
🔹ويسمع الموعظة ولا يعتبر بها،
🔹ويسمع الحق ولا يقبله.

🔻وهكذاتتكامل في القرآن منظومة الإدراك:
🔸العين ترى،
🔸والأذن تسمع،
🔸والقلب يعقل ويفقه،
ثم يأتي الإبصار الحقيقي حين يتحول ذلك كله إلى هداية واعتبار.

🔻الخلاصة:
🔹إن القرآن الكريم لا يدعو الإنسان إلى أن يرى الأشياء فحسب، بل يدعوه إلى أن يبصر حقيقتها.
🔹ولا يدعوه إلى أن يسمع الأصوات فحسب، بل إلى أن يستمع الهدى.
🔹ولا يمنحه القلب ليكون مجرد موضع للمشاعر، بل ليكون موضعًا للفقه والتعقل والاعتبار.

ولهذا فإن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن تنطفئ عيناه عن عالم الشهادة، وإنما أن تنطفئ بصيرته عن عالم الحقيقة.
فقد يعيش الإنسان فاقدًا للبصر، لكنه يكون من أكثر الناس بصيرة.
وقد يعيش آخر بعينين سليمتين، لكنه يمضي في الحياة غافلًا عن آيات الله؛
🔸لا يرى في الأشياء إلا ظواهرها،
🔸ولا يسمع من الأحداث إلا أصواتها،
🔸ولا ينتفع من تجارب الحياة بعبرها.
🔻ومن هنا نفهم عمق البيان القرآني:

📖«{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.»

نكمل لاحقاً
♻️يتبع بإذن الله