الجمعة - 11 سبتمبر 2026

الضغط الأقصى المضاد.. إيران تدير الأزمة وأمريكا تدير الوقت..!

منذ 13 ساعة
الجمعة - 11 سبتمبر 2026

 علاء الطائي ||

 

 

 

مدخل–إيران القادمة

يبدو أن إيران دخلت مرحلة جديدة من إدارة الصراع الإقليمي لم تعد فيها أسيرة “الصبر الاستراتيجي” الذي طبع سياستها لسنوات ولا راغبة في الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تهدد بنية النظام…إنها تمارس الآن ما يمكن تسميته بـ “الضغط الأقصى المضاد”.. تصعيد مدروس- متعدد الجبهات- موزون- بتوقيت الانتخابات الأمريكية- وتردد الحلفاء- بهدف إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي والدولي.

المآل الإيراني القادم يتحدد بمدى قدرتها على.

• إبقاء مستوى التصعيد تحت عتبة الحرب المباشرة مع الولايات المتحدة.

• منع إسرائيل من ترجمة تفوقها العسكري إلى حسم استراتيجي.

• جرّ القوى الدولية “أوروبا والصين وروسيا” إلى صيغة تفاوض جماعية تُخرج الأزمة من الوصاية الأمريكية.

• تحييد دول الخليج أو استمالتها إلى موقع الحياد الإيجابي بما يقلص الحاضنة الإقليمية للضغط عليها.

إذا نجحت إيران في هذا المسار فإنها ستخرج من الأزمة وقد كرّست دورها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه..لكنها إذا أخطأت في ضبط الإيقاع فقد تجد نفسها أمام تحالف دولي أوسع ضدها.

السيناريو الأول-
تجاه الولايات المتحدة — الاستنزاف الهادئ دون حرب مباشرة

الهدف الإيراني.
إفشال مشروع الإملاءات الأمريكية لإجبار واشنطن على التعامل مع طهران كطرف لا يمكن عزله أو كسره.

الأدوات.

• تصعيد بحري محسوب في البحر الأحمر يرفع كلفة التأمين والشحن العالمي ويضغط على الاقتصاد الغربي.

• تحريك جبهة الإسناد بوتيرة خفيفة تشغل القوات الأمريكية وترفع كلفة وجودها.

• تجنب استهداف مباشر كبير للقوات الأمريكية حتى لا يُمنح المتشددون في واشنطن ذريعة لحرب شاملة.

المأمول إيرانيًا.

• تزايد الضغوط الداخلية في أمريكا مع قرب انتخابات التجديد النصفي ما يدفع الإدارة إلى تفضيل التهدئة.

• تراجع الحماس الأمريكي لفتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط والاكتفاء بإدارة الأزمة بدل حسمها.

• الوصول إلى قناعة أمريكية بأن استمرار الحرب على غزة أو التصعيد مع إيران سيكلف أكثر مما يحقق.

الخلاصة..
إيران لا تسعى إلى هزيمة أمريكا بل إلى إرهاقها وإشغالها حتى تقبل بمعادلة جديدة تكون فيها طهران جزءًا من الحل لا عنوانًا للمشكلة.

السيناريو الثاني-
تجاه إسرائيل — إدامة الجبهات دون انفجار شامل

الهدف الإيراني.
حرمان إسرائيل من فرصة تحقيق نصر استراتيجي في غزة أو الاستفراد بحزب الله أو إيران في مرحلة لاحقة.

الأدوات.

• إبقاء جبهات الإسناد “غزة- لبنان- اليمن- العراق” مشتعلة بدرجات متفاوتة بما يكفي لاستنزاف تل أبيب أمنيًا واقتصاديًا ونفسيًا.

• استخدام ورقة البحر الأحمر كورقة ضغط اقتصادي “طالما استمر العدوان على غزة مما تبقى الملاحة مهددة”.

• عدم الدفع نحو حرب إقليمية شاملة قد تدمر حزب الله أو تضع إيران في مواجهة مفتوحة.

المأمول إيرانيًا.

• إسرائيل تعيش حالة طوارئ دائمة مع تآكل ثقة المستثمرين وتراجع السياحة وارتفاع الإنفاق العسكري.

• تصاعد الانقسام الداخلي الإسرائيلي حول جدوى استمرار الحرب دون أفق سياسي.

• قبول إسرائيلي غير معلن بترتيبات أمنية إقليمية تتضمن وقف إطلاق النار في غزة.

الخلاصة.
إيران تريد أن تصل إسرائيل إلى قناعة بأن الأمن لا يتحقق بالتفوق العسكري وحده وأن أي تسوية يجب أن تأخذ في الاعتبار مصالح طهران وحلفائها.

السيناريو الثالث-
تجاه أوروبا والصين — دق إسفين في المعسكر الغربي

الهدف الإيراني.
تحويل الأزمة من مواجهة أمريكية–إيرانية إلى مشكلة دولية تمس مصالح قوى كبرى فيصبح الحل جماعيًا لا إملائيًا.

الأدوات.

• التلويح بأن استمرار تهديد الملاحة سيضر سلاسل الإمداد الأوروبية والصينية على حد سواء.

• إبداء استعداد إيراني للتهدئة إذا كانت هناك مبادرات غير أمريكية “أوروبية- صينية- روسية”.

• توظيف العلاقات الاقتصادية مع الصين لإرسال رسائل بأن طهران ليست معزولة..وأن البدائل موجودة.

المأمول إيرانيًا.

• أوروبا تضغط من أجل تهدئة شاملة حتى لو اختلفت مع واشنطن في التفاصيل.

• الصين تتحرك كوسيط اقتصادي ودبلوماسي فتُظهر نفسها بديلاً قادرًا على إدارة أزمات الشرق الأوسط.

• العالم يقتنع بأن الأزمة تحتاج إلى إدارة متعددة الأطراف لا مجرد تحالف أمني تقوده أمريكا.

الخلاصة.
إيران تريد إخراج الملف من الهيمنة الأمريكية وإدخاله في إطار تفاوضي أوسع تكون فيه لاعبًا أساسيًا لا هدفًا.

السيناريو الرابع-
تجاه دول الخليج — تحييد الحاضنة الإقليمية وإعادة رسم المعادلة

الهدف الإيراني.
إقناع دول الخليج بأن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد كافية لحماية الملاحة والاستقرار وأن التعاون مع طهران قد يكون خيارًا أكثر واقعية.

الأدوات.

• تركيز التهديد البحري في مناطق تؤثر على الاقتصاد العالمي..بما يمس مصالح الخليج النفطية واللوجستية.

• إرسال إشارات دبلوماسية غير مباشرة بأن طهران منفتحة على تفاهمات إقليمية حول أمن الملاحة بمعزل عن واشنطن.

• استثمار التطبيع الخليجي–الإيراني “السعودي–الإيراني مثلًا” لبناء قنوات تهدئة ثنائية.

المأمول إيرانيًا.

• دول الخليج تتحول من موقف الاصطفاف ضد إيران إلى موقف الحياد الإيجابي أو الوساطة.

• تراجع الحماس الخليجي لمشاريع التطبيع مع إسرائيل التي لا تراعي المصالح الإقليمية.

• إعادة تعريف الأمن الخليجي على أسس إقليمية لا تعتمد على الوجود العسكري الأمريكي وحده.

الخلاصة.
إيران تراهن على أن الخليج قد يختار التهدئة مع الجار الإيراني على المغامرة في تحالفات لا تحميه فعليًا.

خلاصة عامة-تدير إيران اليوم لعبة متعددة الأبعاد-
. تستنزف أمريكا- تحاصر إسرائيل- تحرج أوروبا- تستدرج الصين- وتطمئن الخليج.
إنها لا تملك أدوات الحسم العسكري لكنها تملك القدرة
على إطالة أمد الأزمة حتى تتغير موازين القوى أو تتغير الأولويات.
غير أن النجاح ليس مضمونًا. أي خطأ في التقدير- أو اندفاع من طرف إقليمي- أو رد أمريكي غاضب- قد يقلب الطاولة على الجميع…المهم أن ما نعيشه ليس مجرد أزمة عابرة..بل مخاض تحول بنيوي في نظام الأمن الإقليمي…قد يستغرق سنوات قبل أن تتضح ملامحه النهائية.