وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿سورة البقرة: 190﴾..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿سورة البقرة: 190﴾.
قاتلوا الذين يقاتلونكم، هذا هو المبدأ الرباني في التعامل مع العدوان. حين يقع عدوان على الأمة أو الوطن، عدوان على الأنفس أو الأموال أو الكرامة، لا يكون الدفاع عن هذه الحقوق تَرَفًا ولا نزعةً إلى العنف، بل يصبح مسؤولية أخلاقية وشرعية وإنسانية ووطنية. وإن ترك المعتدي يفرض إرادته بالقوة ليس هو الموقف الصحيح، ولا الخيار الأسلم، ناهيك عن القبول بالعدوان أو التعاون معه بأي شكل من الأشكال؛ فهذا الموقف لا يقبله عقل ولا دين ولا شرف ولا مروءة. لما فيه من تَخَلٍّ عن الحقوق، وإهانة للكرامة، وتشجيعٍ للعدوان، ولذلك شرَّع الله الدفاع، بل حرَّض عليه، حتى لا تتحول قوة الطغاة إلى امتياز دائم لهم، وحتى لا يصبح الضَّعف دعوةً مفتوحة إلى انتهاك الحقوق، واحتلال الأوطان، واستعباد الناس ولو بوسائل وأساليب حديثة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الوطن، وحماية الناس، وصيانة الأموال والأعراض، وحفظ الاستقلال والكرامة، هو من القتال المشروع الذي لا يُجادَل فيه إلا الذين استمرؤوا الذل والهوان، أو المتواطئون مع العدوان والمستفيدون منه، أو الذين يفضلون القعود والراحة، أما من به شرف وكرامة، ولديه حرص على وطنه وثرواته واستقلاله فإن أشرف الأعمال عنده أن يقاتل المعتدين.
ومما لا شك فيه أن شرف الدفاع والقتال من منظور القرآن يُستمد من مشروعية الغاية، أي أن تكون الغاية لله وفي الله، أن يكون القتال في سبيل الله، أي أن ينهض المؤمنون إلى قتال العدو دفعًا للظلم، وإقامة للعدل، وحماية للناس، وذودًا عن الأرض والعرض، هذا هو سبيل الله، ولا يقاتل المؤمنون للانتقام، والتشفّي، والاستعلاء، والطغيان على الآخرين. ولا من أجل مالٍ، أو سلطان، أو مجدٍ، أو نهب ثروات، أو اغتنام الغنائم، أو توسُّعٍ في الأرض، ولا من أجل دوافع أنانية، ومصالح شخصية أو فئوية.
إن القتال في سبيل الله يعني أن يكون الهدف أسمى من مصلحة الفئة، وأن تكون الغاية حماية الحق والذود عن الحقوق، وأن يبقى الإنسان -حتى وهو يواجه العدو- إنسانًا ملتزمًا بالقِيَم، لا يخرجه عنف القتال من التزامه الإيماني والأخلاقي.
حين يهاجم المعتدي وطنًا أو شعبًا أو جماعة، لا يمكن جعل حق الدفاع متوقفًا على موافقة المعتدي نفسه، أو من يدور في فلكه، أو من يرضى باستباحة سيادته، أو من يفضل القعود والراحة والدَّعة “ويريد أن يعيش كيفما كان”. فالعدوان هو السبب، ومن حق المعتدى عليه أن يدفعه بما يستطيع من الوسائل المشروعة والمتاحة.
وهذا المعنى تؤكده القواعد العامة في الشريعة، كما تقرّه قواعد القانون الدولي المعاصر في حق الدول والشعوب في الدفاع عن نفسها عند التعرُّض لهجوم مسلح، مع بقاء هذا الحق محكومًا بالضرورة والتناسب والتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين.
بعد تقرير الآية الكريمة حق القتال الدفاعي تنتقل إلى النهي عن العدوان فتقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾. ففي حين يعطي القرآن الحق في قتال المعتدي، فإنه يضع له حدًا أخلاقيًا صارمًا. الاعتداء محظور، وغير جائز، وهو الفعل الابتدائي من دون سبب وجيه، كالاعتداء على المسالمين الذين لم يعتدوا ولم يمكروا السوء بالمؤمنين، وقد يكون بتجاوز السبب الذي شُرِّع القتال من أجله، أو بمعاقبة الأبرياء، أو بقتل من لم يعد قادرًا على القتال، أو بالتنكيل بالأسرى والجرحى، وغير ذلك. فإن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يلفت إلى أن مناط القتال هو مباشرة القتال والعدوان.
مِمّا سبق نخلص إلى النتيجة التالية: إذا تعرَّض شعبٌ لعدوان، فإن الدفاع عن أرضه وحقوقه ووجوده يصبح واجبًا كفائيًا وقد يصير عينيًا حسب الظروف، وبحسب القدرة والاستطاعة. ومن الواجب على جميع المسلمين، بل على الناس عمومًا، أن يناصروه ولو بالكلمة والموقف والدعم الإنساني، فإن نصرة المظلومين لا تكون فقط بحمل السلاح، بل أيضًا بحماية المدنيين، وإغاثة المتضررين، وفضح الظلم، ودعم الحق، ومنع الفتنة، وصيانة الوحدة الداخلية، وعدم منح المعتدي ذريعةً أخلاقية أو قانونية لاستمرار عدوانه. ولا يجوز أن يتحول الخوف أو الحسابات السياسية أو المصالح الخاصة إلى مبرر للتخلي عن المظلوم وتركه وحيدًا في مواجهة المعتدي.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 10/9/2026 الساعة (05:18)




