حادثة سمنان والإعلام المشبوه.. لا تجعلوا من حادثة عابرة جداراً بين شعبين..!
المهندس مهدي حسين الزبيدي ||
9/ 9/ 2026

لا شك أن العلاقة بين العراق وإيران تتجاوز حدود الجوار والمصالح، فهي روابط تاريخية واجتماعية ودينية وثقافية عميقة، جعلت حركة الناس بين البلدين واسعة ومستمرة. فالعراقيون يقصدون إيران للعلاج والدراسة والزيارة والسياحة، والإيرانيون يقصدون العراق للزيارة وغيرها، وقد احتضنت الجامعات الإيرانية آلاف الطلبة العراقيين وأتاحت لهم فرصاً واسعة لمواصلة دراستهم.
ومن المفيد هنا أن نتذكر أن هذا الانفتاح لم يكن متاحاً للعراقيين بالدرجة نفسها في بعض دول الجوار العربي، حيث واجه العراقيون في أوقات مختلفة شروطاً وإجراءات ومضايقات أمنية، ولعل ما تعرض له العراقيون في سنوات الحصار، وما واجهه بعض الراغبين في أداء الحج والعمرة من حساسيات ومضايقات مرتبطة بمعتقداتهم، شواهد لا ينبغي أن ننسى دلالاتها. والمقصود ليس الإساءة إلى أحد، وإنما التذكير بأن العلاقات بين الدول والشعوب تُقاس أيضاً بما تقدمه من احترام واحتضان للإنسان.
أما حادثة سمنان، مهما كانت تفاصيلها، فيجب أن تبقى في حجمها الطبيعي. فمن غير المنطقي أن نحمّل شعباً بأكمله مسؤولية تصرف فرد أو مجموعة من الأفراد. فكما أن العراق شهد مواقف غير لائقة من بعض الأفراد تجاه الزائرين الإيرانيين، ولم يكن من العدل أن ننسبها إلى الشعب العراقي الكريم، كذلك لا يصح أن تُنسب حادثة فردية إلى الشعب الإيراني.
وفي الوقت نفسه، فإننا لا نقبل أن يُهان العراقي في أي بلد، ونرحب بكل إجراء مسؤول يحفظ كرامته ويحاسب من يسيء إليه. وما صدر من المسؤولين المعنيين في إيران من متابعة وتوضيح وموقف واضح تجاه الحادثة هو الطريق الصحيح لمعالجة مثل هذه الأمور.
لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول حادثة محدودة إلى حملة إعلامية واسعة، تُستثمر لإثارة المشاعر وزرع الخلاف بين شعبين تجمعهما روابط ومصالح وتحديات مشتركة. ومن المؤسف أن بعض الأصوات لا تبحث عن معالجة الخطأ، وإنما عن توظيفه لضرب العلاقة بين العراق وإيران.
لقد أثبتت المناسبات والزيارات المليونية، وفي مقدمتها زيارة الأربعين والتشييع المهيب للسيد الخامنئي رضوان الله عليه، حجم التلاحم والمحبة المتبادلة بين الشعبين، وأن ما يجمعهما أكبر بكثير من أن تهزه حادثة عابرة أو حملة إعلامية.
ولذلك فإن الوعي مطلوب من الطرفين: نرفض الإساءة، ونطالب بالمحاسبة، لكننا في الوقت نفسه نرفض التعميم والتحريض واستثمار الحوادث الصغيرة في صناعة الفتن الكبيرة.
إن قوة العلاقة بين الشعبين لا تعني غياب الأخطاء، وإنما تعني القدرة على تجاوزها بالحكمة والإنصاف، وعدم السماح لمن يريد الفرقة بأن يجعل من حادثة فردية جداراً بين شعبين.
قال تعالى:
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).




