من أزمة السكن إلى صناعة الإسكان في العراق..!
مظهر الغيثي ||

رؤية لإطلاق دورة تمويل وإعمار وتشغيل يقودها قطاع الإسكان
أزمة السكن في العراق ليست مجرد نقص في الوحدات السكنية، ولا يمكن حلها فقط بتوزيع الأراضي أو زيادة القروض الحكومية.
إنها في حقيقتها أزمة إنتاج وتمويل وتشغيل واستثمار في آن واحد.
فالعراق يمتلك الأرض، والطلب الكبير على السكن، والمهندسين والمقاولين والعمال، ويمتلك في الوقت نفسه كتلًا نقدية ومدخرات كبيرة خارج الدورة المصرفية والاقتصادية المنظمة.
لكن هذه العناصر تعمل اليوم بصورة متفرقة.
ومن هنا فإن المطلوب ليس مجرد زيادة الإنفاق على الإسكان، وإنما تحويل قطاع الإسكان إلى محرك اقتصادي وطني يجمع التمويل والإعمار والتشغيل والصناعة والتجارة ضمن دورة اقتصادية واحدة.
أولاً: من إدارة أزمة السكن إلى صناعة الإسكان
المطلوب أن تتعامل وزارة الإسكان مع السكن باعتباره قطاعاً اقتصادياً متكاملاً وليس مجرد ملف خدمي.
فالوزارة ليست فقط جهة لبناء المساكن، وإنما يمكن أن تصبح الجهة التي تقود منظومة واسعة تضم:
– التخطيط العمراني
– توفير الأراضي المخدومة
– تطوير المشاريع السكنية
– التمويل العقاري
– دعم المقاولين والمطورين
– الإشراف والتدقيق الهندسي
– الفحوصات والاستشارات
– تنظيم سوق البناء
– تحفيز الصناعات الإنشائية
– تشغيل العمالة العراقية
– وتحريك القطاع الخاص.
وبذلك تصبح وزارة الإسكان قائدة لمنظومة اقتصادية تتجاوز بناء البيت إلى بناء السوق الذي ينتج البيت.
ثانياً: تطوير صندوق الإسكان ليكون أداة التمويل داخل منظومة أكبر
يجب إعادة النظر في الدور التقليدي لصندوق الإسكان، باعتباره أحد تشكيلات وزارة الإسكان، بحيث يتطور تدريجياً إلى مؤسسة تمويل إسكانية متخصصة ذات أدوات مصرفية وتمويلية واستثمارية أوسع، وفق الإطار القانوني المناسب.
ولا يعني ذلك أن يتحول الصندوق إلى هدف بحد ذاته.
بل يكون أداة مالية ضمن سياسة إسكانية واقتصادية تقودها الوزارة.
وتصبح مهمته الأساسية أوسع من إقراض المواطن، لتشمل:
تمويل المواطن + تمويل المقاول والمطور + استقطاب المدخرات + إعادة تدوير رأس المال داخل قطاع الإسكان.
وهنا ننتقل من نموذج:
الدولة تقرض المواطن → المواطن يبني منزله → ينتهي دور الدولة
إلى نموذج:
الوزارة تخطط → الصندوق يمول → المقاول يبني → الصناعات تنتج → العمال يعملون → المواطن يشتري → الأقساط تعود → التمويل يعاد استخدامه في مشاريع جديدة.
ثالثاً: المشكلة في نموذج القروض الحالي
القروض السكنية الحالية تؤدي وظيفة اجتماعية مهمة، لكنها في صورتها التقليدية لا تصنع دورة اقتصادية واسعة.
فالأموال تخرج إلى المواطن لتمويل بناء مسكن، ثم يعود جزء منها إلى منظومة الإقراض على شكل أقساط، ولكن تأثير إعادة تدوير القرض وحده يبقى محدوداً ما لم يرتبط بمنظومة إنتاج وتمويل أوسع.
المطلوب هو أن يتحول التمويل السكني من مجرد علاقة بين الدولة والمواطن إلى دورة اقتصادية كاملة.
أي أن كل دينار يتم توجيهه إلى الإسكان ينبغي أن يخلق أثراً متتابعاً:
تمويل
↓
مشروع
↓
مقاول
↓
عمالة
↓
مواد بناء
↓
نقل وخدمات
↓
تجارة
↓
صناعة
↓
مسكن
↓
تقسيط
↓
إعادة تمويل.
وهنا تصبح قيمة القرض أكبر من قيمته الاسمية، لأن الأموال تتحرك أكثر من مرة داخل الاقتصاد.
رابعاً: فتح سوق الإسكان أمام صغار ومتوسطي المقاولين
من الضروري إنهاء الاعتماد المفرط على الشركات الكبرى في مشاريع الإسكان.
لماذا لا تتحول وزارة الإسكان إلى أكبر منصة لتطوير المقاول العراقي الصغير والمتوسط؟
يمكن تخصيص نسبة من المشاريع لمقاولين محليين، مع تقسيم المشاريع الكبيرة إلى حزم أصغر، بحيث تكون هناك مشاريع تقل قيمتها عن 50 مليون دولار، بل وفئات أصغر من ذلك، وفق معايير التأهيل والكفاءة والضمانات.
وهذا لا يعني توزيع المشاريع على أساس المحاباة، وإنما خلق سوق تنافسي حقيقي لصغار ومتوسطي المقاولين المؤهلين.
والنتيجة ستكون:
تشغيل آلاف المقاولين
وتشغيل المهندسين والفنيين
وتوسيع سوق العمالة
وزيادة الطلب على الإسمنت والحديد والطابوق والألمنيوم والأثاث
وتنشيط النقل والخدمات
وإنشاء شركات جديدة
وتوسيع النشاط التجاري
وزيادة الإيرادات الضريبية
وإعادة الأموال إلى الدورة الاقتصادية.
وهنا تصبح كل وحدة سكنية يتم بناؤها مشروعاً اقتصادياً متكاملاً وليس مجرد بناء منزل.
خامساً: لماذا صغار المقاولين؟
لأن مشروعاً واحداً بمئات الملايين قد يشغل عدداً محدوداً من الشركات.
بينما تقسيم القيمة نفسها على مئات المشاريع الصغيرة والمتوسطة يستطيع أن يخلق سوقاً وطنية واسعة للإنشاءات.
فبدلاً من أن يكون لدينا مقاول كبير واحد يعمل لعدة سنوات، يمكن أن يكون لدينا مئات المقاولين يعملون في الوقت نفسه في محافظات ومناطق مختلفة.
وهذا يعني انتشار الدخل والعمل والإنتاج في مساحة أكبر من الاقتصاد العراقي.
وبالتالي فإن سياسة الإسكان يمكن أن تتحول أيضاً إلى سياسة لتنمية القطاع الخاص العراقي.
سادساً: خدمات وزارة الإسكان جزء من الدورة الاقتصادية
لا ينبغي النظر إلى تشكيلات وزارة الإسكان باعتبارها جهات تنفق فقط.
فالوزارة وتشكيلاتها تستطيع أن تقدم منظومة متكاملة من الخدمات:
التخطيط
التصميم
التدقيق الهندسي
الإشراف
الفحوصات
الاستشارات
إدارة المشاريع
تنظيم الأراضي
الموافقات والخدمات الفنية.
ويمكن تنظيم هذه الخدمات ضمن إطار قانوني ومالي واضح، بحيث تحصل الوزارة وتشكيلاتها على عوائد عادلة من الخدمات التي تقدمها.
وبذلك لا يكون العائد المالي محصوراً بصندوق الإسكان.
بل يمكن أن تستفيد تشكيلات وزارة الإسكان كافة من النشاط الاقتصادي المتولد عن قطاع الإسكان.
وهذا يخلق مورداً مالياً موازياً، إلى جانب الإيرادات العامة الناتجة عن الضرائب والرسوم والنشاط الاقتصادي.
سابعاً: العائد الحقيقي ليس من المقاول
وهنا يجب أن تكون الرؤية واضحة:
الهدف ليس أن تحصل الدولة على المال من المقاول.
فالرسوم والأجور والعوائد التي تحصل عليها تشكيلات وزارة الإسكان ليست سوى جزء صغير من الصورة.
العائد الأكبر هو العائد الاقتصادي الكلي.
فعندما يتم بناء مشروع سكني، فإن الأموال لا تبقى لدى المقاول.
بل تنتقل إلى:
العامل
المهندس
مصنع الإسمنت
مصنع الحديد
مصنع الطابوق
النجار
مصنع الألمنيوم
تاجر مواد البناء
شركة النقل
المكاتب الهندسية
شركات الخدمات
التجار
والمواطنين.
ثم تعود هذه الأموال إلى الأسواق مرة أخرى.
وهكذا فإن المتر المربع المبني لا يمثل وحدة سكنية فقط، بل يمثل سلسلة من النشاط الاقتصادي والتشغيل والإنتاج والتجارة.
ثامناً: إخراج الكتل النقدية من خارج الدورة الاقتصادية
العراق يمتلك كتلاً نقدية ومدخرات كبيرة خارج الجهاز المصرفي.
والتحدي ليس إجبار المواطن على إيداع أمواله، وإنما بناء الثقة وتوفير أدوات ادخار جذابة وآمنة.
فإذا استطاعت المنظومة الإسكانية أن توفر أدوات ادخار إسكانية بعوائد مناسبة وضمانات واضحة، فإن جزءاً من هذه الأموال يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى النظام المالي.
ثم تستخدم هذه الأموال في:
تمويل المقاولين
تمويل المشاريع
تمويل المواطنين
شراء مواد البناء
تشغيل العمالة
وتوسيع النشاط الاقتصادي.
وهنا يتحول المال الساكن إلى رأس مال منتج.
تاسعاً: الإسكان كأداة لتحريك الاقتصاد الوطني
هذه هي الفكرة المركزية في المشروع.
نحن لا نقول إن الدولة ستبني ملايين المنازل من الموازنة.
بل نقول إن الدولة تستطيع أن تستخدم قطاع الإسكان كرافعة اقتصادية.
فكلما زاد البناء زاد الطلب على الصناعة.
وكلما زادت الصناعة زادت التجارة.
وكلما زادت التجارة زاد النقل والخدمات.
وكلما توسعت المشاريع زاد الطلب على العمالة.
وكلما زادت العمالة زاد الاستهلاك.
وكلما زاد النشاط الاقتصادي زادت الإيرادات العامة.
وبذلك تصبح أزمة السكن فرصة لإطلاق دورة نمو اقتصادي واسعة.
عاشراً: العائد الاقتصادي يتجاوز حساب الفائدة
لذلك فإن تقييم المشروع لا ينبغي أن يقوم على سؤال:
كم تبلغ فائدة القرض؟
بل على سؤال أكبر:
ما مقدار النشاط الاقتصادي الذي يولده كل دينار يتم استثماره في قطاع الإسكان؟
العائد هنا يشمل:
العائد المالي للصندوق
+ عوائد الخدمات التي تقدمها تشكيلات وزارة الإسكان
+ الضرائب والرسوم
+ تشغيل العمالة
+ زيادة الإنتاج الصناعي
+ تنشيط التجارة
+ تنشيط النقل والخدمات
+ تحريك القطاع الخاص
+ إخراج الأموال من خارج الدورة الاقتصادية
+ زيادة قيمة الأصول والإعمار.
وهذه هي الصورة التي ينبغي أن تعتمد عند تقييم سياسة الإسكان.
فقد يكون العائد المباشر من التمويل محدوداً، لكن المضاعف الاقتصادي الناتج عن حركة المال داخل قطاعات الاقتصاد المختلفة قد يكون أكبر بكثير من العائد المالي المباشر.
الحادي عشر: وزارة الإسكان كمحرك اقتصادي
إذا نجحت هذه الرؤية، فإن وزارة الإسكان لن تكون مجرد وزارة مسؤولة عن معالجة نقص المساكن.
بل يمكن أن تتحول إلى إحدى الوزارات المحركة للاقتصاد العراقي.
وزارة تخطط للأرض
وتنظم السوق
وتقود التمويل
وتفتح المجال أمام المقاول العراقي
وتحفز الصناعة
وتشغل العمالة
وتستقطب المدخرات
وتقدم الخدمات الفنية
وتقود عملية الإعمار.
أما صندوق الإسكان فيكون أحد أهم الأذرع التمويلية لهذه المنظومة، وليس المنظومة كلها.
فالعراق لا تنقصه الأرض.
ولا تنقصه الأيدي العاملة.
ولا تنقصه الكفاءات الهندسية.
ولا ينقصه الطلب على السكن.
ولا تنقصه الأموال.
ما ينقصه هو ربط هذه العناصر ضمن دورة اقتصادية واحدة.
ومن هنا يمكن أن يبدأ الإصلاح:
تطوير وزارة الإسكان لتقود صناعة إسكان وطنية
وتطوير صندوق الإسكان ليكون ذراعاً تمويلياً متخصصاً
وفتح التمويل أمام صغار ومتوسطي المقاولين
وتقسيم المشاريع الكبيرة إلى حزم قابلة للمنافسة المحلية
وتوفير الأراضي المخدومة
وتطوير تقنيات البناء السريع منخفض الكلفة
وتمويل المواطن والمقاول معاً
واستقطاب المدخرات خارج الجهاز المصرفي
وتفعيل العوائد والخدمات التي تقدمها تشكيلات وزارة الإسكان
وربط الإسكان بالصناعة والتجارة والعمل والنقل والخدمات.
عندها لن يكون هدفنا مجرد بناء مساكن.
بل سنكون أمام مشروع وطني أكبر:
تحويل أزمة السكن إلى صناعة إسكان عراقية.
صناعة تبني البيت، وتشغل العراقي، وتحرك المصنع، وتنشط التجارة، وتخرج الأموال الساكنة، وتوسع القطاع الخاص، وتزيد الإيرادات، وتعيد تدوير رأس المال داخل الاقتصاد.
وهنا تصبح وزارة الإسكان ليست وزارة لمعالجة أزمة السكن فقط، وإنما وزارة تقود جزءاً مهماً من عملية النمو الاقتصادي والإعمار في العراق.




