الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

تجنيد المرتزقة العرب في حرب اليمن: قراءة في القانون الدولي ومسؤولية الدول الراعية..!

منذ يوم واحد
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

مقدمة
لا يُولد أحدٌ مرتزقاً؛ فالارتزاق ظاهرةٌ تصنعها الظروف حين تلتقي هشاشة اقتصادية في بلدٍ منهك بحاجة سياسية لدى طرفٍ آخر إلى سواعد مقاتلة لا تُحسَب عليه رسمياً. وتقدّم الحرب الدائرة في اليمن منذ عام 2015، وما تشهده من تصعيدٍ متجدد هذا العام، نموذجاً صريحاً لهذه الظاهرة، إذ تتقاطع فيه إشكالياتٌ قانونية متعددة: تعريف المرتزق ذاته، ومدى تجريم تجنيده دولياً، ومسؤولية الدول التي ترعى هذا التجنيد أو تموّله، وإمكانية مساءلتها فعلياً أمام القضاء الدولي.
أولاً: الوقائع الميدانية
تشير تقارير إعلامية يمنية وعربية إلى حملات تجنيدٍ تُدار في مناطق سورية، أبرزها ريف دير الزور، تُنسَب إلى جهاتٍ سعودية تحرص على عدم الظهور في العلن، تُنقل عبرها عناصر سورية إلى الجبهة اليمنية. وتشير تقارير أخرى، سورية ودولية متفرقة منذ عام 2021 وحتى اليوم، إلى أن أجهزة استخباراتية تركية تُشرف على نقل مقاتلين من فصائل “الجيش الوطني السوري” الموالية لأنقرة إلى الجبهة نفسها.
أما المشاركة السودانية فأكثر توثيقاً، فمنذ اللحظة الأولى للتدخل العسكري في اليمن عام 2015، شارك ما يُقارب ثلاثين ألف عنصر من قوات “الدعم السريع” في جبهاته، بحسب تصريحاتٍ صادرة عن مسؤولين سودانيين أنفسهم. ومع التصعيد الأخير، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لمقاتلين سوريين في اليمن يتوعدون جماعة “الحوثي”، وأخرى تُظهر أسرى سودانيين في قبضة “أنصار الله” يعبّرون عن ندمهم على المشاركة في الحرب – وهي مواد ينبغي التعامل معها بوصفها مؤشراتٍ تتسق مع النمط العام الموثّق أعلاه.
ثانياً: المرتزق في القانون الدولي – التعريف والمعايير
يضع البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977 (المادة 47) تعريفاً تراكمياً للمرتزق، يشترط اجتماع ستة معايير معاً: أن يكون الشخص قد جُنِّد خصيصاً، محلياً أو في الخارج، للقتال في نزاعٍ مسلح؛ وأن يشارك فعلياً وبشكلٍ مباشر في الأعمال العدائية؛ وأن يكون دافعه الأساسي الكسب المادي الخاص، بمقابلٍ يتجاوز جوهرياً ما يتقاضاه المقاتلون النظاميون من الرتبة والمهمة ذاتها؛ وألا يكون من رعايا أيٍّ من أطراف النزاع أو من المقيمين في أراضٍ يسيطر عليها أحد أطرافه؛ وألا يكون فرداً في القوات المسلحة النظامية لأي طرف؛ وألا يكون قد أُرسل في مهمة رسمية من قبل دولةٍ ليست طرفاً في النزاع. وأثر هذا التعريف قانونياً حاسم، فمن تنطبق عليه هذه المعايير يُحرَم صفة “المقاتل الشرعي”، وبالتالي يُحرم حقوق أسير الحرب التي تكفلها اتفاقية جنيف الثالثة.
ثالثاً: الإطار التجريمي وإشكالية الإنفاذ
لم يكتفِ المجتمع الدولي بحرمان المرتزق صفته القانونية، بل انتقل إلى تجريم تجنيده صراحة. فقد سبق الاتحاد الأفريقي إلى ذلك في اتفاقيته الخاصة بمناهضة الارتزاق في أفريقيا لعام 1977 (النافذة منذ 1985)، ثم أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1989 “الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم”، التي تنصّ مادتها الثانية على أن كل من يجنّد أو يستخدم أو يموّل أو يدرّب مرتزقة يرتكب جريمة بموجب الاتفاقية، مع إلزام الدول الأطراف بالتعاون على الملاحقة القضائية والمعاقبة.
غير أن القيمة العملية لهذه الاتفاقية تصطدم بعقبةٍ جوهرية، وهي ضعف الانضمام إليها، إذ لم تنضم أغلب الدول الفاعلة عسكرياً في العالم – ومن بينها الدول المشار إليها في هذا المقال – إلى نصوصها، فبقي الالتزام القانوني الدولي بمناهضة الارتزاق قائماً من الناحية النظرية، عاجزاً عن الإنفاذ الفعلي من الناحية العملية.
رابعاً: السيادة ومسؤولية الدول الراعية
يبقى، إلى جانب الإطار الخاص بالمرتزق نفسه، سؤالٌ أوسع يتعلق بميثاق الأمم المتحدة ذاته، فالمادة الثانية (الفقرة 4) منه تحظر التهديد بالقوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، كما يحظر مبدأ عدم التدخل الراسخ في القانون الدولي العرفي تدخل دولةٍ في الشؤون الداخلية لدولةٍ أخرى ذات سيادة.
وتجنيد مرتزقة من دولٍ ثالثة لإرسالهم للقتال في نزاعٍ داخلي في دولةٍ مستقلة كاليمن – أياً كان الحكم على شرعية طرفي هذا النزاع الداخلي – يثير تساؤلاً جدياً حول مدى انسجامه مع هذين المبدأين، بصرف النظر عن الغطاء السياسي الذي يُقدَّم به (دعم الشرعية).
خامساً: مساءلة الدول الراعية – مبدأ نسبة التصرف إلى الدولة
يقوم القانون الدولي على مبدأٍ راسخ مفاده أن تصرفات الأفراد لا تُنسَب إلى الدولة إلا بتوافر عنصر “السيطرة” عليها. وقد أرست محكمة العدل الدولية في قضية “الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها” (1986) معيار “السيطرة الفعلية” (effective control)، الذي يشترط إثبات أن الدولة الراعية وجّهت أو أمرت بالعمليات المحددة محل النزاع لا أن اكتفت بالتمويل أو التدريب العام.
وخفّفت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة هذا المعيار لاحقاً في قضية “تاديتش” (1999) بمعيار “السيطرة الشاملة” (overall control) الأكثر مرونة. وبأيّ من المعيارين، فإن توثيق علاقة الإشراف والتمويل والنقل المباشرة بين جهات التجنيد وبين الدول الراعية يوفر أساساً قانونياً لنسبة هذا السلوك إلى تلك الدول، لا لأفرادٍ يتصرفون بمعزل عنها.
سادساً: عقبات التقاضي – من يملك حق الادعاء نيابة عن اليمن؟
يبقى السؤال الأكثر واقعية: من يملك، عملياً، تحريك دعوى؟ فمحكمة العدل الدولية لا تنظر إلا في منازعاتٍ بين دول، وبموافقة أطرافها. والدولة اليمنية المعترف بها دولياً – ممثلةً بمجلس القيادة الرئاسي – هي ذاتها الطرف المتحالف مع الدول المتّهمة بتجنيد المرتزقة، فمن غير المتصوَّر سياسياً أن تقاضي حكومةٌ رعاتها العسكريين.
أما سلطة “أنصار الله” التي تسيطر فعلياً على صنعاء وأغلب الشمال اليمني، فرغم سيطرتها الفعلية على الأرض، ليست الحكومة المعترف بها في الأمم المتحدة، وتفتقر بالتالي إلى الصفة القانونية لرفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية باسم “دولة اليمن”. أما المحكمة الجنائية الدولية، فاليمن وقّع نظام روما الأساسي عام 2000 لكنه لم يصادق عليه حتى اليوم، فيبقى خارج نطاق اختصاصها التلقائي؛ ولا سبيل لتحريك هذا الاختصاص إلا بإحالةٍ من مجلس الأمن – حيث تملك دولٌ حليفة للأطراف المتّهمة حق النقض – أو بإعلانٍ خاص من الحكومة اليمنية بقبول اختصاص المحكمة على غرار ما فعلت أوكرانيا، وهو أمرٌ تفتقر إليه الإرادة السياسية الحالية للحكومة المعترف بها. فالفجوة هنا ليست في النص القانوني، بل في غياب الطرف القادر والراغب معاً في تفعيله.
سابعاً: مسألة التواطؤ الدولي، وتصنيف “أنصار الله”
أما تصنيف “أنصار الله” دولياً، فيحتاج تدقيقاً لا تعميماً. فالولايات المتحدة أعادت تصنيف الجماعة “منظمة إرهابية أجنبية” في آذار/مارس 2025 (بعد أن كانت رفعت هذا التصنيف عام 2021)، وفرضت المملكة المتحدة عقوباتٍ على قياداتٍ وكياناتٍ تابعة لها. لكن هذا لا يرقى إلى “إجماعٍ دولي”: فروسيا والصين ومعظم دول الجنوب العالمي لم تتبنَّ هذا التصنيف، والأمم المتحدة نفسها، عبر مبعوثها الخاص، تتفاوض مباشرةً مع سلطة صنعاء بوصفها طرفاً فعلياً في النزاع لا كياناً محظور التعامل معه.
أما التواطؤ الدولي الذي يستحق التوثيق فعلاً فهو أقرب إلى ملف صفقات السلاح منه إلى مسألة التصنيف: فقد قضت محكمة الاستئناف البريطانية في 20 حزيران/يونيو 2019، في قضية رفعتها حملة “مناهضة تجارة السلاح” (CAAT) ضد وزارة التجارة الدولية البريطانية، بأن ترخيص تصدير الأسلحة إلى السعودية كان غير قانونيٍّ لعدم تقييم الحكومة بشكل صحيح احتمال استخدامها في خروقاتٍ للقانون الدولي الإنساني في اليمن – وهو إقرارٌ قضائي، صادر من داخل إحدى الدول المورّدة للسلاح نفسها، بوجود مسؤوليةٍ لم تُستكمل مساءلتها على المستوى الدولي حتى اليوم.
خاتمة
يكشف هذا الملف عن فجوةٍ بنيوية مزدوجة: فجوة تشريعية، إذ يُعرّف القانون الدولي الإنساني المرتزق بدقة وتُجرّم الاتفاقية الأممية تجنيده، لكن غياب انضمام الدول الفاعلة يُفرغ النص من فاعليته؛ وفجوة إجرائية، إذ لا يوجد طرفٌ يملك الصفة القانونية والإرادة السياسية معاً لتحريك هذا النص أمام قضاءٍ دولي.
وإلى أن تُسدّ هاتان الفجوتان – بانضمام الدول المعنية إلى الاتفاقية الأممية، أو بإحالةٍ أممية أكثر إلزاماً، أو بتوفر إرادة سياسية يمنية مستقلة عن اصطفافات الحرب – سيبقى الشاب العربي، من سوريا والسودان وسواهما، عرضةً لأن يُستدعى وقوداً لحروبٍ لا تخصه، تُدار بحساباتٍ إقليمية لا علاقة لها بمصلحته أو بمصلحة البلد الذي يُقاتل فيه.