مصايد الفتنة وأعداء التقارب..!
عباس سرحان ||

زرتُ إيران مراراً، ودرستُ فيها زمناً، بل أدّيتُ امتحاناً في إحدى جامعات قم، فلم يعترضني في تلك الرحلات كلها موقفٌ يستحق أن أصفه بالعدوانية أو العنصرية. وكنتُ أفرض احترامي على من أقابله بحسن التصرف وتجنّب المواقف المثيرة، فأنا في نهاية المطاف ضيفٌ على أهل الدار، لا يحقّ لي أن أفرض رأياً، ولا أن أتدخّل في شؤونهم الداخلية؛ فالإيراني أولى من أي أحد بالحديث عن شأنه، ومهما توثّقت الروابط بين الشعبين فهي لا تُبيح لي ولا لسواي انتهاك هذا الحدّ.
غير أن هذا الحياد لا يمنعني من ملاحظة ما يُنشر من لقطاتٍ فيديوية مقتطَعة، تُوظَّف في البلدين معاً لخدمة روايتين متناقضتين. تُقدَّم في إيران على أنها “ثورة شباب” دافعوا عن شرفهم بعد تحرّش طلبة عراقيين بفتيات إيرانيات، وتُقدَّم في العراق على أنها اعتداءٌ إيرانيٌّ سافر على طلبة عراقيين. وقد تصدق إحدى الروايتين، وقد يكون كلاهما مفتعلاً؛ فالحقيقة، في زحمة المقطوعات المبتورة، تبقى مجهولة إلى حين.
زارني صديقي الأهوازي أمين في داري ذات مرة، وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، حتى ساقني الكلام إلى سؤالٍ ظلّ عالقاً في ذهني منذ سنوات. حادثة شابٍّ من البصرة زار الأهواز، فتعرّض هناك لموقف مهين على يد شبان عربٍ أهوازيين، صُوِّر خلاله شبه عارٍ، وبُثّ التصوير على مواقع التواصل.
سألتُ أمين عن سبب إقدام هؤلاء الشبان على إهانته، فبان الحرج على محياه قبل أن يقول: “هل تقبلون أن أتجرّأ وأعتدي على فتاة عراقية هنا، مستغلاً حاجتها، أو لأنني أملك بعض المال فأتوهّم أنني أشتري به حتى الشرف؟”. لم أجد جواباً بعد كلامه، بل ازددتُ حيرة: أهو تصرّفٌ طائشٌ ينمّ عن نقصٍ في التربية، أم أداةٌ في يد من يريد تخريب العلاقة بين الشعبين؟
وأعادتني كلمات أمين إلى موقفٍ مشابه سمعته من جمشيد، سائقٍ مشهديٍّ ستّينيٍّ بلغ من الأدب حدّاً جعلني أستأجره في كل زياراتي للمدينة. قال لي ذات مرة: “العديد من الشباب العراقيين الذين يستأجرونني، يسألونني عن الزواج المنقطع مع نساء إيرانيات”. و
كان منزعجاً جداً من هذا التصرف، والحقيقة أن سؤالاً كهذا لا ينسجم مع أخلاقنا ولا مع أبسط آداب الضيافة؛ فلو نزل ضيفٌ على عائلةٍ وسأل أحد أفرادها: هل لديكم فتياتٌ للزواج المؤقت؟ لعرفتَ حجم النشاز فيه. فالزائر، كائناً من كان، يُفترض به من الحياء واحترام مضيفه ما يمنعه عن مثل هذا الابتذال.
سنوياً يزور العراقيون إيران بما لا يقل عن ثلاثة ملايين ونصف، وهي المتنفَّس الأكبر لمحدودي الدخل الذين تعجزهم تكاليف السفر عن بلوغ بلدانٍ أخرى، حتى إن بعض أبناء البصرة والعمارة صاروا يتبضعون من أسواقها أسبوعياً، وكأن الحدود بيننا خطٌّ على الخارطة لا أكثر. ونحن الشيعة، تحديداً، ندخل إيران بيسرٍ لا نظير له عند جيراننا الآخرين.
لكن يبدو أن هذا التقارب أصبح مصدر إزعاجٍ للمتربصين بالمنطقة، فصاروا يفتعلون حادثاً هنا أو هناك – كما جرى في سمنان – ويُصوَّر ويُبثّ في آنٍ واحد على مواقع إيرانية وعراقية، كلٌّ بروايته الخاصة، وكأن الهدف الوحيد إذكاء الكراهية بين شعبين تجمعهما جغرافيا ومصالح ومذهب.
ومن البديهي مع هذا العدد الهائل من الزوار أن تقع بينهم وبين مواطنين ايرانيين احتكاكاتٌ عابرة، وهذا أمرٌ طبيعي لا يستحق أن يُحمَّل أكثر مما يحتمل، إلا عند من يحنّ إلى افتعال “قادسية صدام” بنسخةٍ معدَّلة.
كما أن إيران، التي يقارب عدد سكانها التسعين مليون نسمة، ليست كتلةً واحدة منسجمة قلباً وموقفاً؛ فمنهم من يحب دولته ونظامه، ومن يعمل ضدهما، ومنهم بسيط التفكير والواعي المدرك. وهذا حالنا نحن أيضاً: فالذين حاولوا إثارة الفتنة في زيارة الأربعين، بإنزال العلم الإيراني أو التنمّر على زوّارٍ بسطاء، والذين هتفوا قبل سنوات “إيران برا برا” حتى لو بلغوا الآلاف، كلاهما لا يمثّل العراق ولا شيعته.
فكما يوجد في إيران أشخاصٌ سيئون يعملون على تخريب العلاقة بين الشعبين، يوجد في العراق من يفعل الأمر ذاته، وكما يوجد في العراق من لا يعي نتائج إساءته، فكذلك في إيران، وهذه قاعدةٌ تنطبق على كل شعوب الأرض. فلا ننساق خلف الحكايات المفتعلة؛ لأنها سلاح الأعداء لإثارة الكراهية، وسلاحنا في وجهها محبةٌ واحترامٌ متبادلان، وهما وحدهما الحصن الذي يقينا مصايد الفتنة.




