اليتيم الذي لم ينحن للطغاة.. الشهيد رعد نعيمة القريشي..!
انتصار الماهود ||

هو طفل في داخله، لكنه ارتدى ثياب رجل. اليتم جعله ينضج قبل أوانه، ويتحمل المسؤولية منذ نعومة أظفاره. ورغم صعوبة الظروف التي مر بها، لم يكن مستعدا للتخلي عن مبادئه وقيمه وعقيدته. عرف معنى الصبر والمواجهة، وكان شجاعا رافضا للمساومة. أدبه الحسين عليه السلام بأدبه، وكانت العقيدة نبراسا لطريقه الذي شقه بنفسه، فلم يكن غافلا عما يحدث حوله، ولم يتأثر بفكر البعث، ولم تخف سجون الطواغيت قناعته.
ولد الشهيد السعيد رعد نعيمة عبيد فرحان غانم القريشي، في الاول من أيار عام 1982 في العاصمة بغداد. لم تمهله الحياة كثيرا ليعيش في كنف والده ويغمره بحنانه، فقد طرق اليتم بابه مبكرا، وهو لا يزال في الخامسة من عمره.
فتولت والدته مسؤولية تربية أبنائها وتلبية احتياجاتهم، لتواجه وحدها أعباء الحياة الثقيلة.
لم يكمل رعد سوى دراسته الابتدائية، بسبب صعوبة الوضع الاقتصادي آنذاك، فقد بدأ زمن الحصار، وأصبح من الصعب عليه مواصلة الدراسة، بينما كانت عائلته بحاجة إليه. لذلك انخرط في سوق العمل مبكرا، ليعين والدته على تحمل المسؤولية، ويخفف عنها مصاعب الحياة التي أثقلت ظهرها في وقت مبكر.
تزوج رعد، وكان له ثلاثة أبناء، أحاطهم برعايته وحنانه، وكأنه أراد أن يعوضهم عن ذلك الشعور الذي افتقده هو، وأن يمنحهم ما حرم منه في طفولته: أب يحبه ويهتم به ويحتويه. فمهما كبر الإنسان، تبقى غصة اليتم في القلب، لذلك حاول رعد أن يعوض هذا الشعور من خلال أبنائه، الذين كانوا له الدنيا وما فيها.
كان رعد مقدرا ومحترما بين أهله وأقاربه، لما عرفوا فيه من الإيمان والعقيدة ومخافة الله تعالى، فضلا عن الشجاعة التي ميزته عن أقرانه. رفض نظام الحكم الصدامي، فكان ذلك سببا في مطاردته واعتقاله وسجنه على يد أجهزة البعث، وبعد خروجه من السجن استمرت سلسلة الملاحقات والمطاردات بحقه.
رغم كل ذلك، لم يتخل رعد عن أفكاره ولم يغير قناعته. كان يرى في البعث نظاما وحكما ظالما، جر العراق وشعبه إلى ويلات الحروب والحصار، وأن الخضوع له يعني الابتعاد عن طريق الحسين عليه السلام. فالحسين، بالنسبة إليه، رمز للثورة على الظلم ورفض الخضوع للطغاة.
وبعد سقوط النظام عام 2003، تنفس العراقيون الصعداء، وسقط الطاغية، لكن الفرحة لم تكتمل، إذ حل الاحتلال الامريكي محل النظام السابق. وكان لأبطال المقاومة رأي آخر، فتنظيم الصفوف ومواجهة المحتل أصبحا خيارا لمن رفض وجوده في البلاد، وخاضت عصائب أهل الحق مواجهات وعمليات ضد القوات الامريكية، كبدتها خسائر كبيرة.
وحين صدرت فتوى الجهاد الكفائي، كان الشهيد رعد رهنا لنداء المرجعية الدينية العليا، فانطلق لمقاتلة الإرهاب الداعشي تحت راية عصائب أهل الحق. شارك في معارك عديدة وعلى محاور مختلفة، كان من أبرزها محور تحرير صلاح الدين، وخاض معارك تحرير بيجي، التي كانت من أصعب المعارك التي خاضها رجال المقاومة، ضمن فريق القناصين الخاص بالعصائب.
وفي الثاني والعشرين من حزيران عام 2015، التحم الشهيد رعد مع فريق من القناصين في بيجي، ليرتقي شهيدا في ذلك اليوم، وتعرج روحه الطاهرة إلى عليين.
هكذا ودع الدنيا ذلك اليتيم الذي واجه اليتم مبكرا، وحارب الأفكار التي رفضها، وتمسك بعقيدته، وسار على طريق أبي عبد الله، سيد الشهداء عليه السلام، طالبا الشهادة، فنالها وترك خلفه سيرة رجل بدأ حياته يتيما، وانتهى شهيدا.
سلام على ذلك اليتيم الثابت على نهج الحسين عليه السلام.
سلام على من حمل المسؤولية صغيرا، وثبت على مبادئه كبيرا، وضحى من أجل الوطن بالروح والدماء.




