شتان ما بين خطاب الكرامة والسيادة وبين خطاب السفارة والخيانة..!
الكاتب والباحث والاكلديمي صلاح الاركوازي ||

يعيش العالم ومنها دول العالم الثالث وخصوصا نحن في العراق حالة اصبحت الان ظاهرة الا وهي الصراع المكشوف والتداخل ما بين خطاب الكرامة والسيادة وبين خطاب السفارة والخيانة ( فهي أشبه ما تكون بلعبة جر الحبل )، فاصبحت اليوم ظاهرة خطاب السفارة والخيانة ظاهرة مستفحلة في العراق ،وحيث ان تقسيم هذه النوع من الخطابات او الخطابات بشكل عام يمكن ان تقسم الى ثلاثة انواع شخصيات وتيارات كانت خطاباتها وما زالت خطابات كرامة والسيادة وهؤلاء في معظمهم يمثلون خط محور المقاومة ، ومجموعة اخرى كانت خطاباتها منذ البدء خطابات سفارة وخيانة وتحريضية ومجموعة وسطية متذبذبة بين هؤلاء وهؤلاء ،وهذا هو نوع جديد من حروب بالانابة ،فنلاحظ ضمن القومية نفسها او المذهب او الدين نجد هذه الانواع الثلاثة من الخطابات وبالتالي نحن في العراق نعاني من هذا الورم السرطاني والذي بدأ يستفحل وينخر في جسد العراق خصوصا من بعد عام 2003 بعد سقوط الطاغيه ،
فليس هنالك قانون فعال يجرم هؤلاء الذين يتعاملون مع السفارات الاجنبية وفي كثير من الاحيانةهم ناطقين رسميين لا بل الوقاحة تصل الى درجة انهم يتكلمون بأسم سفارات والتي هي اي هذه الدول العراق في الدستور العراقي دول عدزة يحكم عليه او على الاشخاص الذين يتعاملون مع هذه الدول بالاعدام ، ولكن قوة السفارات وقوة القرار الخارجي والتغلغل المخابراتي اعطى لهؤلاء حصانة وجرأه وقوة ، واليوم اصبح لديهم حصانة برلمانية وسياسية وهم جزء ومكون اساسي من العملية السياسية ولكنهم مازالوا يتكلمون بخطاب السفارة.
صراع الهوية السياسية بين السيادة والاستلحاق يمثل التمايز بين “خطاب الكرامة” و”خطاب السفارة” مفصلًا تحليليًا حاسمًا في فهم ديناميات المشهد السياسي والإعلامي في مجتمعات العالم الثالث، والدول المأزومة بآثار الاستعمار وما بعده.
إن المقارنة بين الخطابين لا تقف عند حدود المفردات المستعملة، بل تمتد إلى البنية الفكرية، والمصدر المرجعي، والغايات الجيو-سياسية التي يخدمها كل منهما.
أولًا: خطاب الكرامة (المرجعية والتأصيل السيادي)
يقوم خطاب الكرامة على مبدأ السيادة الوطنية والاعتماد على الذات، واستقلال القرار السياسي والفطري عن التأثيرات الخارجية.
1 – المرجعية الفكرية: يستند إلى الهوية التاريخية، الحضارية، والثقافية للأمة. يرتبط بمفاهيم التحرر، العدالة الاجتماعية، ورفض التبعية.
2 – البناء اللغوي: يتسم بالنبرة الحازمة، المباشرة، واستدعاء الرموز الوطنية والقيمية. يُخاطب الجماهير بصفة الشراكة في المصير.
3 – الهدف الجوهري: تحشيد الإرادة الشعبية بناءً على شرعية محلية، وبناء موازين قوى تضمن استقلال المؤسسات وتنمية الطاقات الذاتية.
4 – مكمن القوة: تجذره في الوجدان الشعبي، واكتسابه الشرعية من الميدان لا من التوازنات الخارجية.
ثانيًا: خطاب السفارة (الوظيفية والارتهان الخارجي)
يعبر خطاب السفارة عن الارتهان للمشاريع والتدخلات الخارجية، حيث تتم إدارة المشهد الداخلي برؤية توفق بين مصالح القوى الدولية وأدواتها المحلية.
1 – المرجعية الفكرية: يتغذى من الأدبيات الصادرة عن مراكز الفكر والتوجيه التابعة للقوى الإقليمية أو الدولية، متدثرًا بأسماء براقة كـ “الواقعية السياسية” أو “الاندماج الدولي”.
2 – البناء اللغوي: يغلب عليه استخدام المصطلحات المعلبة والرمادية، وتبرير التنازلات تحت شعار “المعونة”، “الشرعية الدولية”، أو “التوافقات الحتمية”.
3 – الهدف الجوهري: تسويق الرؤى الخارجية داخل أروقة الحكم والمجتمع، وتمرير أجندات تضمن مصالح الجهات الراعية على حساب المصالح الوطنية العليا.
4 – مكمن الضعف: هشاشة القاعدة الشعبية، والارتهان للتغيرات في أجندات القوى الخارجيّة، مما يجعله خطابًا وظيفيًا ينتهي بانتهاء حاجة الرعاة إليه.
مقارنة تحليلية بين الخطابين
وجه المقارنةخطاب الكرامةخطاب السفارة
مصدر الشرعيةالإرادة الشعبية والهوية الوطنيةالدعم الخارجي والمصالح الدولية
محور الارتكازالسيادة والاعتماد على الذاتالتبعية وتبرير التدخل الخارجي
المخاطَب الرئيسيالشعب والقوى الوطنيةالفاعلون الدوليون والدبلوماسيون
الموقف من الأزماتالمواجهة والمناضلة والحل الذاتيالهروب للأمام والارتهان للوساطات
الاستدامـةخيار استراتيجي بعيد المدىتكتيك مرحلي يرتبط بالدعم المالي والسياسي
تطبيقات المشهد العراقي: العراق بين رهانات السيادة وتحديات الارتهان
يمثل العراق أحد أكثر النماذج الشرق أوسطية جسامةً في تجسيد هذا الصراع الفكري والسياسي، حيث أفرزت التحولات الجيو-سياسية بعد عام 2003 استقطابًا حادًا بين تيار يتشبث بـ “خطاب الكرامة والسيادة” وتيار آخر ينغمس في “خطاب السفارة والارتهان”.
أولًا: تجليات خطاب الكرامة والسيادة في الواقع العراقي
ينطلق هذا الخطاب في العراق من تراث عريق في رفض الهيمنة الأجنبية، متغذيًا من محطات تاريخية ووطنية حاسمة.
1 – المرجعية الوطنية والمجتمعية: يستمد قوته من التحركات الشعبية، والقوى الفكرية والسياسية التي ترى أن حماية العراق تبدأ من استقلال قراره الأمن والاستثماري والسياسي بعيدًا عن الإملاءات.
2 – البعد الدفاعي والأمني: يُركز على بناء قدرات عسكرية وأمنية ذاتية قادرة على حماية الحدود والدستور، ورفض وجود القواعد العسكرية الأجنبية أو اتخاذ الأراضي العراقية منطلقًا للصراعات الإقليمية.
3 – الاقتصاد السيادي: يدعو إلى تحرير القرار الاقتصادي الوطني، وإدارة الثروات النفطية والمنافذ الحدودية وفق المصلحة العرقية الصرف، والحد من كارتيلات الفساد المرتبطة بأجندات خارج الحدود.
ثانيًا: تمظهرات خطاب السفارة والارتهان في المشهد السياسي
ظهر هذا الخطاب كنتاج طبيعي لثقافة المحاصصة والاعتماد على الفاعلين الخارجيين لتثبيت النفوذ المحلي.
1 – شرعية الخارج بديلًا عن الداخل: تعتمد القوى المنخرطة في هذا الخطاب على توفير الحماية والدعم السياسي من السفارات والقوى النافذة لاستمرار وجودها في السلطة، مما يجعل أولوياتها مرتبطة بمرضات تلك الدول.
2 – تغليب التوافقات الخارجية على الدستور: التنازل عن الثوابت الوطنية وحقوق الشعب في مقابل البقاء ضمن دائرة النفوذ والتأثير، واستخدام المصطلحات المائعة لتبرير التدخلات الأجنبية في تشكيل الحكومات ورسم السياسات.
3 – تفكيك الهوية الوطنية الجامعة: تغذية الانقسامات المكوناتية والطائفية لتسهيل إدارة الأزمة من قبل الرعاة الخارجيين وفق مبدأ “فرق تسد”.
المقارنة التطبيقية في السياق العراقي
محور النزاعخطاب الكرامة والسيادةخطاب السفارة والارتهان
القرار الأمنيبناء مؤسسات أمنية وطنية مستقلة وإخراج القوات الأجنبيةالرهان على الحماية والوجود الأجنبي كضمانة للبقاء
العلاقات الدوليةتوازن سيادي قائم على المصالح المتبادلة وعدم التدخلالتبعية لمحاور إقليمية ودولية وتطبيق أجنداتها
إدارة الثرواتتوظيف الموارد لبناء اقتصاد وطني وتنمية شاملةهدر الثروات وتمرير صفقات تخدم نفوذ الشركات الأجنبية
المشروع السياسيدولة المواطنة والمؤسسات ذات السيادة الكاملةدولة المكونات والمحاصصة المرتهنة للوساطات
إن مخرج العراق من أزماته المركبة لا يمر عبر استبدال وصاية خارجية بأخرى، بل في تغليب “خطاب الكرامة والسيادة” كمشروع جامع يُعيد للمؤسسات اعتبارها، وللمواطن كرامته، وللدولة هيبتها واستقلالها في محيطها الإقليمي والدولي، وبحسب قراءتنا للواقع العراقي بعد السقوط فان خطاب السفارة سوف يضل متواجداً وبقوة وسيكون له تأثيرا حتى على اصعب واكثر القرارات حساسية ومصيرية مادام هنالك من يبيع نفسة بالرخيص وما أكثرهم .




