الاثنين - 31 اغسطس 2026

 هل أغتيل أم أغتيل مشروع الدولة؟!

منذ 4 ساعات
الاثنين - 31 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

في التاسع والعشرين من آب 2003، دوّى إنفجار قرب مرقد الإمام علي عليه السلام في النجف الأشرف، فغاب آية الله العظمى سماحة السيد محمد باقر الحكيم، ومعه عشرات العراقيين الذين كانوا في المكان.

رحل السيد الحكيم في لحظة شديدة الحساسية من تأريخ العراق؛ لحظة كان فيها النظام السابق قد سقط، والدولة القديمة تتهاوى، والدولة الجديدة لم تولد بعد.

وبعد أكثر من عقدين يبقى السؤال مشروعاً: ماذا لو كان محمد باقر الحكيم موجوداً؟ هل كان المشهد السياسي الشيعي في العراق سيصل إلى هذا العدد من القيادات والمراكز المتنافسة؟ وهل كان البيت الشيعي سيتحول إلى مجموعة من المشاريع السياسية المتعددة، أم كان الحكيم قادراً على تشكيل مركز سياسي أكثر تماسكاً؟

هذه ليست محاولة لصناعة تأريخ إفتراضي، وإنما محاولة لفهم أثر غياب رجل كان يمتلك ثقلاً دينياً وشعبياً وسياسياً وتنظيمياً كبيراً.

السيد محمد باقر الحكيم لم يدخل العراق عام 2003 بإعتباره رجل دين عائداً من المنفى فقط، لقد عاد ومعه تجربة طويلة في المعارضة والتنظيم السياسي،  وحضور معروف في مواجهة نظام صدام حسين الديكتاتوري، والأهم أن خطابه بعد سقوط النظام البعثي لم يكن مجرد خطاب إنتقام من الماضي.

ففي أيار/مايو 2003 تحدث السيد الحكيم عن بناء دولة عراقية عصرية تهتم بالبناء والشباب والمرأة، مع التأكيد على حضور الإسلام في الدولة والقانون، هنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة للجدل، هل كان الحكيم يمتلك مشروعاً لإدارة الدولة، وليس مجرد مشروع لإدارة الطائفة؟

إذا كانت الإجابة (نعم) فإن غيابه المبكر ترك فراغاً سياسياً كبيراً، والفراغ السياسي لا يبقى فارغاً يقيناً يدخل إليه الآخرون، ومن هنا بدأت رحلة تعدد القيادات والمشاريع داخل البيت الشيعي، وتداخلت المصالح الحزبية مع النفوذ السياسي، وتوزعت مراكز القوة، وأصبح من الصعب أحياناً معرفة أين ينتهي مشروع الدولة وأين يبدأ مشروع الحزب أو الجماعة أو الزعيم.

لكن السؤال الأخطر يبقى:
من قتل القائد محمد باقر الحكيم؟
الإجابة الرسمية التي إرتبطت بالتحقيقات والإتهامات الأميركية والعراقية تشير إلى تنظيم القاعدة وأبي مصعب الزرقاوي، كما ظهرت لاحقاً إعترافات وأحكام قضائية بحق متهمين بالعملية.

لكن الإجابة عن “من نفذ العملية؟” ليست بالضرورة الإجابة الكاملة عن سؤال “من إستفاد من غياب الحكيم؟” وهنا يجب أن نفرق بين القاتل المباشر والمستفيد السياسي.

من المؤكد أن إغتيال الحكيم أزال من المشهد شخصية كانت تتمتع بثقل ديني وسياسي وتنظيمي إستثنائي في لحظة تأسيس العراق الجديد، ومن المؤكد أيضاً أن قوى كثيرة كانت تخشى، أو على الأقل لا ترغب، في أن يحتكر شخص واحد أو تيار واحد مساحة القيادة الشيعية.

لكن هل يعني ذلك أن تلك القوى كانت وراء إغتياله؟ بالتأكيد (لا).

لا توجد هنا مساحة للإتهام السياسي بلا دليل، المساحة الحقيقية هي مساحة السؤال والتحليل، ماذا كان سيحدث لو بقي الحكيم؟

هل كان سيقبل بسهولة بتعدد مراكز القرار داخل البيت الشيعي؟

هل كان سيقبل أن تتحول الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ والغنائم السياسية والمكتسبات؟

هل كان سيقبل بأن يصبح الإنتماء الحزبي طريقاً إلى مؤسسات الدولة؟ وهل كان مشروعه سيقود إلى نموذج عراقي يستفيد من تجارب دول أخرى، ومنها التجربة الإيرانية، من دون أن يتحول العراق إلى نسخة من أي دولة أخرى؟

هذه الأسئلة تستحق النقاش، خصوصاً أن تجربة السيد الشهيد الحكيم السياسية لم تكن منفصلة عن فكرة بناء الدولة، ، وُصفت رؤيته بأنها تقوم على بناء دولة عراقية مستقلة، ورفض الإستبداد، وإعتماد المواطنة والعدالة والديمقراطية، مع حضور المرجعية الإسلامية في شكل الدولة والمجتمع.

وهذا يقودنا إلى سؤال آخر أكثر حساسية: هل مات مشروع محمد باقر الحكيم بإستشهاده؟ نقول: ربما لم يمت بالكامل، لكنه بالتأكيد تعرض إلى إنتكاسة تأريخية كبيرة.

فالمشاريع السياسية لا تموت دائماً بإغتيال أصحابها، لكنها قد تفقد مركز ثقلها، وقد يتحول المشروع بعد غياب صاحبه من مشروع دولة إلى مشاريع أحزاب، ومن رؤية واحدة إلى رؤى متعددة، ومن قيادة مركزية إلى مراكز نفوذ متنافسة.

وهنا ربما تكمن واحدة من أهم مشكلات العراق بعد 2003 لم تعد المشكلة في وجود “دولة عميقة” واحدة فقط بل أصبح السؤال: هل لدينا دول عميقة متعددة داخل الدولة الواحدة؟

مراكز سياسية، حزبية، إقتصادية، أمنية، دينية، وإجتماعية، لكل منها حساباته وإمتداداته ومصالحه، وعندما تتعدد مراكز القوة، تصبح الدولة نفسها في حاجة إلى إعادة تعريف: من يقرر؟ ومن يملك القرار؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

ولهذا فإن ذكرى إستشهاد السيد محمد باقر الحكيم ليست مجرد مناسبة لإستعادة صورة رجل أغتيل في النجف، إنها أيها الأخ القارئ مناسبة لطرح سؤال عن العراق كله: هل كان إغتيال السيد الحكيم بداية إنقسام المشروع السياسي الشيعي، أم أن الإنقسام كان سيحدث حتى لو بقي حياً؟

وهل كان يمكن للحكيم أن يمنع صعود قيادات متعددة، أم أن طبيعة العراق بعد 2003 كانت ستنتج بالضرورة تعدد المراكز والقيادات؟

وربما السؤال الأكثر قسوة: هل كان العراق بعد 2003 يحتاج إلى تعدد القادة، أم إلى قائد مشروع؟ هنا قد تختلف الإجابات؛ لكن المؤكد أن العراق لم يعانِ بعد 2003 من نقص في القيادات بقدر ما عانى من نقص في مشروع الدولة الذي تتفق عليه القيادات.

وهنا تصبح ذكرى السيد محمد باقر الحكيم أكبر من ذكرى إغتيال إنها ذكرى مشروع لم نعرف حتى اليوم: هل مات مع صاحبه، أم أنه ما زال حياً، لكنه ينتظر من يعيد قراءته بعيداً عن الأشخاص والأحزاب وتقاسم النفوذ؟

ربما لم يكن السؤال الحقيقي: من قتل القائد السيد محمد باقر الحكيم؟
ربما السؤال الأهم هو:
من قتل مشروع الدولة الذي كان يمكن أن يولد مع القائد محمد باقر الحكيم؟

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع