العراق… عندما تصبح الفوضى نظامًا لا يحتاج إلى من يديره..!
كندي الزهيري ||

كندي الزهيري
هناك أسئلة تبدو في ظاهرها سياسية ومعقدة في نفس الوقت ، وقد لا تجد لها تحتية كافية ، لكنها في حقيقتها أسئلة عن طبيعة الدولة نفسها.ومن أخطر هذه الأسئلة:
هل ما يحدث في العراق مجرد سوء إدارة؟، أم أن الفوضى أُدخلت إلى “بنية الدولة” منذ سنوات وأصبحت جزءًا من طريقة عملها؟
وهل نحن أمام دولة تعاني من أزمات متراكمة، أم أمام منظومة أصبح إستمرار الأزمات فيها أكثر فائدة لبعض الأطراف من حلها؟.
ربما تكون الإجابة الأكثر واقعية أن العراق لا يعيش فوضى من نوع واحد. هناك فوضى يولدها (سوء الإدارة)، وفوضى تنتجها “المصالح” ، وفوضى تستثمرها “القوى السياسية”، وفوضى يمكن “للقوى الخارجية “أن تستفيد منها. والخطر الحقيقي ليس في وجود هذه العوامل منفردة، بل في اللحظة التي تبدأ فيها بالعمل (معًا) ، حتى يصبح من الصعب معرفة أين ينتهي الخطأ الإداري وأين تبدأ المصلحة السياسية. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. الدولة القوية لا تخيفها الأزمات لأنها تمتلك مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات .
أما الدولة التي أصبحت مؤسساتها مرتبطة بشبكات النفوذ، فإن الأزمة فيها لا تكون مجرد أزمة؛ بل تتحول إلى فرصة.
فرصة للحصول على منصب، وفرصة للحصول على عقد، وفرصة لإعادة توزيع النفوذ، وفرصة لتأجيل الإصلاح، وفرصة لإقناع المواطن بأن المشكلة أكبر من (قدرة الدولة على حلها)!.ومع مرور السنوات، يحدث التحول الأخطر: يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتتحول الأزمة إلى إدارة يومية، ويصبح الاعتياد على الخلل جزءًا من النظام العام. وهنا لا يعود السؤال: من صنع الفوضى؟،
بل يصبح السؤال الأكثر خطورة: من أصبح يحتاج إلى استمرارها؟، العراق يمتلك ثروة نفطية هائلة، لكنه ما زال شديد الإعتماد على النفط في الناتج والإيرادات والصادرات؛ وقد أشار البنك الدولي إلى أن النفط مثل في 2025 نحو 53% من الناتج الحقيقي، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع.هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات إقتصادية، إنها تكشف شيئًا أعمق عن طبيعة الدولة. عندما يكون مصدر المال الأساسي خارج الدورة الإنتاجية للمجتمع، تصبح الدولة هي البوابة الرئيسية للثروة. وعندما تصبح الدولة هي البوابة الرئيسية للثروة، تصبح السيطرة على القرار السياسي طريقًا إلى السيطرة على جزء من الإقتصاد، وهنا تنشأ المعادلة الخطرة:
من يملك النفوذ على الدولة ، يملك قدرة أكبر على توزيع الموارد، ومن يملك القدرة على توزيع الموارد يستطيع بناء النفوذ، والنفوذ بدوره يحمي النظام الذي أنتجه، وهكذا تصبح الدولة دائرة مغلقة.ليست المشكلة إذن في الفساد وحده، الفساد نتيجة، والمشكلة الأعمق هي بنية الحوافز التي تجعل الإصلاح مكلفًا على المستفيدين من الوضع القائم. ولهذا فإن أخطر مقاومة للإصلاح ليست دائمًا تلك التي تخرج إلى الشارع وتعلن رفضها، أحيانًا تكون مقاومة الإصلاح أكثر هدوءًا.مثلًا( تأخير قانون، تعطيل مشروع، إعادة تشكيل لجنة، خلق أزمة سياسية، إشغال الرأي العام بملف ثانوي، إعادة إنتاج الإنقسام ، رفع خطاب طائفي أو قومي)…
ثم إنتظار عودة الهدوء دون تغيير جوهري في قواعد اللعبة.وهكذا يمكن أن تموت الإصلاحات دون أن يعلن أحد أنه قتلها.
وهنا تظهر فكرة «الفوضى الوظيفية»، الفوضى الوظيفية لا تعني بالضرورة أن هناك ” غرفة سرية يجلس فيها أشخاص ويرسمون كل حادثة وكل أزمة” .
هذا تبسيط لا يصمد أمام التحليل العقل .الأكثر خطورة هو أن تتقاطع مصالح أطراف مختلفة في المحافظة على الوضع نفسه، حتى وإن لم تكن متفقة على شيء آخر،طرف يريد النفوذ.
وطرف يريد المال، وطرف يريد حماية مصالحه، وطرف يريد منع خصمه من بناء مؤسسة قوية، وطرف خارجي يريد أن يبقى العراق داخل هامش معين من التوازن الإقليمي. والنتيجة واحدة: دولة لا تنهار بالكامل، لكنها لا تتقدم بما يكفي لتصبح قوة مستقلة بالكامل.
وهذه ربما هي المنطقة الأخطر… فالانهيار الكامل قد ينتج رد فعل شعبيًا ودوليًا واسعًا.
أما الدولة التي تبقى واقفة، وتدفع الرواتب، وتدير الحد الأدنى من الخدمات، وتخوض الإنتخابات، وتنتج الحكومات، لكنها عاجزة عن الإنتقال إلى دولة إنتاجية ومؤسسية؛ فهي أكثر قابلية للإستمرار، يمكن تسميتها: الدولة ذات الإستقرار الهش.والمشكلة أن المواطن قد يعتقد أن مجرد عدم إنهيار الدولة،يعني أنها تسير في الإتجاه الصحيح، لكن الإستقرار ليس دائمًا تقدمًا، قد يكون الإستقرار أحيانًا مجرد تثبيت للمشكلة.وهنا نفهم لماذا يصبح التعليم، والصحة، والكهرباء، والإقتصاد، وفرص العمل، والإدارة، والقضاء، والإستثمار، وحتى الخطاب السياسي، أجزاء من قضية واحدة.لأن الدولة لا تُقاس بعدد الوزارات، ولا بعدد الموظفين، ولا بحجم الموازنة، ولا بعدد المشاريع التي تُعلن.
الدولة تُقاس بقدرتها على ” تحويل مواردها إلى قيمة عامة” .وصندوق النقد الدولي الذي كان سبب من اسباب تدمير العراق ، يضع أمام العراق صورة واضحة: اعتماد مفرط على النفط، قطاع عام كبير، ضعف في نمو الائتمان للقطاع الخاص، قطاع كهرباء غير كفوء، ومشكلات مهمة في الحوكمة والفساد. كما يرى أن إصلاح الحوكمة والقطاع المصرفي وسوق العمل وبيئة الأعمال يمكن أن يرفع النمو غير النفطي بصورة ملموسة. إذن القضية ليست أن العراق فقير. العراق ليس فقيرًا بالمعنى التقليدي. العراق يعاني من ضعف تحويل الثروة إلى قوة دولة.
وهذه نقطة مختلفة تمامًا. قد تكون لديك مليارات الدولارات، ولكن إذا كان اقتصادك لا ينتج بما يكفي، ومؤسساتك لا تعمل بالكفاءة المطلوبة، وقطاعك الخاص ضعيف، وقرارك الإقتصادي رهينًا بالإيراد النفطي، فإن الثروة تتحول من مصدر قوة إلى مصدر قابل للاستغلال. وهنا يصبح النفط نعمة إقتصادية، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية. لأن من يسيطر على تدفق المال يستطيع التأثير في قدرة الدولة على الإنفاق.ومن يستطيع التأثير في المال يستطيع التأثير في السياسة.ومن يستطيع التأثير في السياسة يستطيع التأثير في القرار.
وهنا ندخل إلى المستوى الأعمق من القصة.السيادة الحديثة ليست فقط أن تملك علمًا وجيشًا وحدودًا. السيادة تعني أن تستطيع إتخاذ قرارك الإقتصادي عندما تتغير أسعار النفط.وأن تستطيع حماية نظامك المالي. وأن تستطيع إنتاج غذائك.
وأن تستطيع توفير الكهرباء.وأن تمتلك صناعة.وأن تمتلك قطاعًا خاصًا.وأن تمتلك مؤسسات تستطيع أن تقول «لا» لأي جهة ، عندما تتعارض مصالحها مع المصلحة الوطنية.ولهذا فإن معركة العراق الحقيقية ليست فقط مع الإرهاب أو الفساد أو المحاصصة.المعركة الحقيقية هي:هل يستطيع العراق بناء دولة لا تحتاج إلى الأزمة لكي تستمر؟، هذه هي النقطة التي يجب أن يُعاد عندها تعريف المشروع الوطني.لا يكفي تغيير الوجوه، ولا يكفي تغيير الحكومات، ولا يكفي تغيير التحالفات، لأن تغيير الأشخاص داخل النظام نفسه قد ينتج نظامًا جديدًا بالوجوه القديمة.المطلوب تغيير قواعد إنتاج السلطة والثروة.أي الإنتقال من دولة تقوم على توزيع الريع إلى دولة تقوم على إنتاج القيمة.
ومن إقتصاد يستهلك الإيرادات إلى إقتصاد يصنع الإيرادات.ومن وظيفة حكومية بوصفها وسيلة للعيش، إلى قطاع خاص قادر على خلق فرص العمل.ومن المحاصصة باعتبارها آلية لتقاسم الدولة، إلى المؤسسات باعتبارها آلية لإدارة الدولة. ومن إدارة الأزمة إلى منع الأزمة.
وهنا تحديدًا يكمن الحل الذي لا يحبه المستفيدون من الفوضى:بناء دولة تجعل الفوضى غير مربحة، عندما يصبح العقد الحكومي شفافًا، تقل قيمة النفوذ. عندما يصبح التعيين قائمًا على الكفاءة، تقل قيمة الولاء السياسي.عندما يصبح القضاء مستقلًا، ترتفع كلفة الفساد.عندما يصبح الإقتصاد متنوعًا، تقل أهمية السيطرة على مورد واحد. عندما يصبح القطاع الخاص قويًا، تقل قدرة الدولة على إستخدام الوظيفة كسلاح سياسي. وعندما يصبح المواطن قادرًا على الحصول على رزقه خارج الدولة، تنكسر إحدى أهم أدوات السيطرة السياسية. لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل الفوضى في العراق مفتعلة؟، السؤال الأكثر عمقًا هو: هل أصبحت هناك منظومة مصالح، تجعل إستمرار الفوضى أكثر ربحًا من إنهائها؟.
إذا كانت الإجابة نعم، فإن مواجهة الفوضى لا تكون بمطاردة أعراضها، وإنما بتغيير اقتصادها السياسي. وهنا يصبح الإصلاح مشروعًا سياديًا لا إداريًا فقط. لأن العراق لن يصبح قويًا بمجرد أن يتوقف عن الفوضى. بل عندما يصبح قادرًا على إنتاج الإستقرار من داخله. عندها فقط يتغير ميزان القوة. وعندها يصبح النفط موردًا لا نظامًا.والحكومة مؤسسة لا سوقًا للمصالح.
والانتخابات وسيلة لاختبار البرامج لا لإعادة توزيع النفوذ. والدولة دولةً فعلًا، لا مجرد مساحة تتنافس داخلها القوى. وربما هذه هي الحقيقة التي يصعب قولها بصراحة: أكبر خطر على العراق ليس أن تكون الفوضى موجودة، بل أن يصبح المجتمع معتادًا عليها، والنخب مستفيدة منها، والمؤسسات عاجزة عن الخروج منها. عند تلك اللحظة لا تعود الفوضى حادثًا طارئًا. تصبح نموذج عمل.والدولة التي تتحول فيها الفوضى إلى نموذج عمل، لا تحتاج إلى عدو دائم حتى تبقى ضعيفة؛ يكفي أن يستمر النظام الذي يجعل كل طرف يخشى التغيير أكثر مما يخشى إستمرار المشكلة. ولهذا فإن إنقاذ العراق لا يبدأ بسؤال:«من المسؤول؟»
بل بسؤال أكثر قسوة:«ما الذي يجعل هذا الوضع مربحًا لبعضهم، ومقبولًا لدى بعضهم، ومستمرًا رغم أن الجميع يعرف أنه لا يمكن أن يقود إلى دولة قوية؟»، عندما نجيب عن هذا السؤال بصدق، سنبدأ لأول مرة بفهم العراق لا من خلال ما يحدث أمام أعيننا، بل من خلال المصالح التي تجعل ما يحدث ممكنًا ومستمرًا.
وهناك، خلف الضجيج السياسي، تبدأ القصة الحقيقية.




