الاثنين - 31 اغسطس 2026

17 ربيع الاول مولد خير البشر وخاتم الانبياء والرسل محمد ﷺواله..!

منذ 4 ساعات
الاثنين - 31 اغسطس 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

أن “نور محمد” هو أول ما خلقه الله، وهو العلة الغائية للخلق (كما في حديث الكساء وما ورد في الأثر “لولاك لما خلقت الأفلاك”).
تُمثّل ولادة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) النقطة الفاصلة في تاريخ الإنسانية، حيث تحولت شبه الجزيرة العربية من شتات قبلي تسوده الجاهلية إلى مركز لنور الحضارة والعدالة الاجتماعية.
إن الاحتفاء بهذه الذكرى العطرة ليس مجرد استذكار لحدث تاريخي مرّ عليه مئات السنين، بل هو استدعاء واعي لمنهج حركي وأخلاقي قادر على ترميم الأزمات التي تعصف بالإنسان المعاصر.
مرتكزات النهضة المروحية والأخلاقية:
الثورة الأخلاقية والوجدانية: أحدث الرسول الأعظم (ص) قفزة نوعية في سلم القيم؛ فاستبدل منطق “القوة هي الحق” بمنطق “الحق هو القوة”. وجسد ذلك في قوله المشهور: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ليجعل المقياس الأساسي للفضل هو التقوى والخدمة الإنسانية لا النسب ولا الثروة.
إعادة بناء المجتمع: نجح المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في تفتيت العصبيات القبلية، وتأسيس “وثيقة المدينة” كأول دستور مدني يضمن حقوق المواطنة، وحرية الاعتقاد، والعدالة لجميع المكونات دون تمييز.
التوازن بين المادة والروح: لم يأتِ الإسلام ليعزل الإنسان عن الحياة، بل ليصنع صياغة متوازنة تجمع بين عمارة الأرض والتزكية الروحية، مما أرسى القواعد الأولى لحضارة علمية وإنتاجية امتدت شرقا وغرباً.
البعد الإنساني في السيرة النبوية:
تجلت الرحمة النبوية في أبهى صورها خلال تعامله مع المخالفين قبل الأتباع؛ فكان خطابه جامعاً يراعي الفطرة البشرية، ويتسامى على الجراح حتى في لحظات الانتصار الحاسمة، كما حدث في فتح مكة حين أعلن عفو عام يدرّس في تاريخ التسامح الإنساني: «اذهبوا فأنتم الطلاقاء».
الواجب المعاصر تجاه الذكرى:
إن أفضل استحضار لذكرى ولادة سيد الكائنات (ص) يتمثل في ترجمة قيم السيرة النبوية إلى سلوك عملي:
تأسيس السلم الاجتماعي: عبر تعزيز ثقافة الحوار، ونبذ خطاب الكراهية والتعصب.
العدالة والتكافل: نصرة المستضعفين، ومواجهة الطبقية، وتكريس حقوق الإنسان كما أرساها النبي (ص) في خطبة وداع.
العلم والمعرفة: العودة إلى روح أمر “اقرأ”، بجعل البحث العلمي والابتكار أساساً للنهوض بالأمة.
تبقى ولادة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) تجديداً مستمراً للأمل البشري، وتأكيداً على أن قيم الحق والرحمة والسلام هي المحرك الأساسي لبناء الإنسان والحضارة.
تكتسب ولادة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في الفكر والوجدان الشيعي أبعاداً عقدية ورسالية متجاوزة للحدث التاريخي مجرداً، لتغدو ركناً مفصلياً في رؤيتهم لمنظومة النبوة والإمامة والامتداد الحضاري للإسلام.
ويرتبط هذا الاستذكار في المذهب الشيعي بمجموعة من المدلولات المفاهيمية والروحية التي تشكل هوية هذا الاحتفاء:
اقتران النور المحمدي بالولاية: يُنظر إلى ولادة الرسول الأكرم باعتبارها تجلياً لظهور “النور الأول”، حيث تؤكد النصوص الشيعية على الوحدة الروحية والفكرية بين النبي والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام)، باعتبارهم الامتداد الطبيعي لحفظ الرسالة وتبليغ أهدافها.
الربط بين 17 ربيع الأول وولادة الإمام الصادق: يتضاعف الأثر الروحي لهذه المناسبة عند الشيعة لاقتران تاريخ الولادة النبوية المشهور لديهم (17 ربيع الأول) بذكرى ولادة الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، مؤسس المدرسة الفقهية والفكرية الجعفرية، مما يجعل المناسبة تجديداً للعهد مع الرسالة وأصولها العلمية والتشريعية.
إعلان “أسبوع الوحدة الإسلامية”: تُستغل هذه الذكرى الشريفة كركيزة أساسية للتقريب بين المذاهب الإسلامية؛ حيث يُمثّل الفارق الزمني بين التاريخين المعتمدين للولادة (12 ربيع الأول عند أهل السنة و17 ربيع الأول عند الشيعة) جسراً للوحدة الوطنية والإسلامية والدعوة لردم الفجوات المذهبية.
الترسيخ العقدي لقيمة الرحمة والعدالة: يُقنّن الاحتفاء بالمناسبة لاسترجاع المبادئ الأساسية للمدرسة العلوية وأهل البيت في نصرة المستضعفين، ومواجهة الظلم الاجتماعي، واعتبار الرسول الأعظم النموذج الأعلى للعدالة الاجتماعية والإنسانية.
البعد الروحي والتزكوي: تُحيى هذه الذكرى عبر إقامة المجالس والمدائح النبوية، واستحداث الأنشطة الخيرية والتكافلية، لتأكيد أن الارتباط بالنبي (ص) ليس مجرد شعار، بل هو منهج عملي لتزكية النفوس وبناء المجتمع المؤطَّر بالأخلاق المحمدية.
يؤمن الشيعة الإمامية بأن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء، وسيد الكائنات، وأكمل خلق الله على الإطلاق، وتمثل طاعته ومحبته الركن الأساسي في العقيدة الإسلامية.
ترتكز رؤية الشيعة للنبي الأكرم على مجموعة من الثوابت العقدية التي تحدد طبيعة العلاقة به:
العصمة المطلقة: يعتقد الشيعة بعصمة النبي (ص) عصمة تامة ومطلقة عن الخطأ، والسهو، والنسيان، والذنوب (صغائرها وكبائرها)، سواء قبل البعثة أو بعدها، وفي جميع أقواله وأفعاله دون استثناء.
الامتداد عبر أهل البيت (ع): يرى الشيعة أن استمرارية الرسالة المحمدية وحفظ السُنّة النبوية بعد وفاته يتحققان حصراً عبر التمسك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة (أهل البيت)، استناداً إلى نصوص متواترة أبرزها “حديث الثقلين”.
النور المحمدي: يحتل النبي (ص) المرتبة الأولى في الوجود التكويني؛ حيث تؤكد الروايات الشيعية أن “نور محمد” هو أول ما خلقه الله، وهو العلة الغائية للخلق (كما في حديث الكساء وما ورد في الأثر “لولاك لما خلقت الأفلاك”).
الشفاعة الكبرى: يحظى النبي (ص) بالمقام المحمود، ويؤمن الشيعة إيماناً راسخاً بأنه يملك حق الشفاعة الكبرى يوم القيامة للمذنبين من أمته، وأن هذا المقام يمتد بإذنه ليشمل أهل بيته الطاهرين.
وجوب المودة والولاء: تُعد محبة النبي (ص) وأهل بيته والتسليم لأوامرهم فريضة قرآنية قطعية، وجزءاً لا يتجزأ من الإيمان بالله، حيث لا تكتمل الشهادة لله بالوحدانية إلا بالشهادة لمحمد بالرسالة والتسليم لمنهجه.