الاثنين - 31 اغسطس 2026

الإمام الخميني والحكومة الإسلامية … قراءة في الوهم المنهجي لدى الشيخ محمد حيدر..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 31 اغسطس 2026

هادي بدر الكعبي ||

 

 

 

مهاد :-

كتب الشيخ محمد حيدر مقالاً بعنوان (( حين تنقلب الوسيلة غاية )) حاول فيه أن يصور بأن السيد الخميني قدس سره قد انتقل من جعل الحكومة وسيلة لإقامة أحكام الإسلام إلى جعلها غاية مقدمة على تلك الأحكام و جعل بعض من كلمات السيد الخميني قدس سره حول حفظ الجمهورية الإسلامية وحول الإمام المهدي ( عج ) شاهداً على وجود التناقض لدى السيد قدس سره ولا شك أن مقال الشيخ محمد حيدر يضم مجموعة كبيرة من المغالطات المنهجية التي تكشف عن فهم ساذج وجهل مركب مما يستدعي الوقوف عندها و بيان اهم الملحوظات نحوها عبر النقاط الآتية :

١- يحاول الشيخ محمد حيدر التركيز على وصف الحكومة الإسلامية بأنها مجرد وسيلة لإقامة الأحكام حتى يبني إشكاله على تحولها إلى غاية إلا أن هذا التصور لا يستوعب حقيقة ما يذهب إليه السيد الخميني قدس سره الذي اعتبر الحكومة بأنها تمثل امتداداً لولاية الرسول والأئمة ( عليهم السلام ) وهي حكم إسلامي أصيل ومقدم على الأحكام الفرعية مما يجعل حفظها واجباً شرعياً لا تقديماً لوسيلة على غاية .

٢- يحاول المقال إيهام القارئ بأن السيد الخميني قدس سره قد جعل الحكومة سلطة فوق الشريعة تنسخ الأحكام وهذا غير دقيق فالسيد لا يقدم الحكومة باعتبارها مصدر لتشريع دين جديد وإنما باعتبارها جزء من الولاية الشرعية التي تستطيع أن تتخذ قراراً ولائياً في ظرف معين عندما تقتضي مصلحة الإسلام ذلك وبالتالي السيد قدس سره ليس مقصوده نسخ الشريعة وإنما التدبير الفقهي لظرف طارئ .

٣- يستدل الشيخ محمد حيدر بمثال الحج ويقول إن السيد الخميني قدس سره قرر نظرياً إمكانية منع الحج حيث غاب الحجاج الإيرانيون عن مواسم معينة فيرى في ذلك شاهداً على انقلاب الوسيلة غاية و لكن هذا الاستدلال غير سليم لأن السيد قدس سره لم يقل إن الحج لم يعد فريضة ولم يقل إن الحكم الإلهي بالحج قد أُلغي بل إن القضية كانت مرتبطة بظروف سياسية وأمنية استثنائية ولذا من الخطأ أن نحول هذه الواقعة إلى معادلة فقهية وبالتالي مجرد عدم الذهاب في موسم معين لا يثبت إلغاء الفريضة لاسيما و أن الحج مشروط بالاستطاعة التي لا تنحصر بالجانب المالي فقط .

٤- يسأل الشيخ محمد حيدر (( من الذي أثبت أن حفظ الجمهورية الإسلامية يساوي حفظ الإسلام؟ )) والجواب أن السيد الخميني قدس سره لم يقل احفظوا الحكومة لأنها حكومة وإنما السيد أراد حفظ النظام الإسلامي لأنه الوعاء الذي تقوم من خلاله الحكومة الإسلامية بإقامة الدين وحفظ مصالح المسلمين ولو سقط هذا الوعاء سيؤدي بالتأكيد سقوطه إلى انهيار الأمن وضياع المؤسسات الدينية وتسلط الأعداء ومنع المسلمين من إقامة شعائرهم ومصالحهم وبالتالي يصبح الدفاع عنه دفاعاً عن كيان تتوقف عليه مصالح دينية كبرى وليس عن كرسي سياسي .

٥- يوحي مقال الشيخ بأن القول بأهمية حفظ الجمهورية الإسلامية يعني تقديس كل تفاصيلها ورفض النقد لها وعدم الاعتراض عليها وهذا التلازم إطلاقاً غير دقيق فولاية الفقيه لا تعني عصمة الحكومة أو المسؤولين بل إن عدم العصمة لا يبرر هدم أصل الحكومة الإسلامية ولذا مقال الشيخ يخلط بين حفظ الجمهورية الإسلامية وبين تقديس تفاصيلها مع أن الأمرين مختلفان تماماً .

٦- يستشهد الشيخ محمد حيدر بعبارة (( حفظ الجمهورية أهم من حفظ شخص واحد ولو إمام العصر )) لكي يثبت المفارقة و لكن السياق يوضح أن السيد الخميني قدس سره لم يقل إن الجمهورية الإسلامية أعلى من الإمام المهدي ( عج ) من حيث المقام والمنزلة ولم يقل إن الحكومة أعظم من الإمام المعصوم ولم يذكر بأن المسلمين إذا تعارض وجود الإمام مع وجود الحكومة فعليهم اختيار الحكومة الإسلامية بل أنه كان يتحدث عن حفظ الإسلام والحكومة وأن الائمة عليهم السلام أنفسهم قد ضحوا في سبيل الإسلام وبالتالي القضية لا تعني أن الجمهورية الإسلامية مقابل الإمام المهدي ( عج ) وإنما الإسلام هو الرسالة التي يعمل الإمام المعصوم من أجلها .

٧- يرى الشيخ وجود تناقض بين كون الثورة الإسلامية مقدمة لمشروع الإمام المهدي ( عج ) وبين القول بأولوية حفظ الجمهورية الإسلامية و لكن هذا القول فيه نظر على اعتبار أن الثورة الإسلامية تمثل مرحلة أولى في مشروع أكبر وبالتالي حفظها لا يناقض كونها مرحلة بل هو شرط لاستمرارها فالإنسان الذي يبني مؤسسة لأجل غاية أكبر لا يقول بما أن المؤسسة ليست الغاية النهائية فلنهدمها بل أنه يعتبرها وسيلة ضرورية للغاية ينبغي المحافظة عليها حتى تؤدي وظيفتها .

٨- يسأل الشيخ محمد حيدر عن التطبيق الشامل للحدود (( أين هو التطبيق الشامل لتلك المنظومة من الحدود )) وهذا التساؤل عن مدى التطبيق هو ليس دليلاً على بطلان أصل النظرية فإذا قالت الشريعة إن حداً معيناً له شروط موضوعية دقيقة فلا يمكن أن نطالب الحكومة بتطبيقه في كل حالة لمجرد أنها إسلامية لاسيما وأن عدم تطبيق بعض الأحكام في بعض الظروف لا يعني إنكارها بل قد يعود لعدم تحقق الشروط أو لتزاحم مصلحة أهم ولذا الجمع بين هذه الحالات ثم القول بالتناقض ليس استدلالاً علمياً .

٩- أخطر ما في مقال الشيخ محمد حيدر أنه يوحي بأن السيد الخميني قدس سره انتهى إلى جعل الحكومة فوق الدين بينما مشروع السيد قدس سره قام على رفض اختزال الإسلام في العبادات الفردية واعتبار الإسلام دين شامل والحكومة جزء منه وعندما يقدم السيد قدس سره حفظ الحكومة الإسلامية في مقام التزاحم فإنه لا يقدم حكومة علمانية على الإسلام وإنما يريد القول بأن الحكومة جاءت من أجل الإسلام وحفظها هو من أجل استمرار القدرة على إقامة الإسلام .

١٠- الشيخ محمد حيدر يقول بأن الحكومة وسيلة ولكن الوسائل ليست جميعها متساوية فهناك وسيلة يمكن الاستغناء عنها وهناك وسيلة إذا سقطت سقطت معها الغاية فإذا كانت إقامة الدين متوقفة على وجود نظام سياسي إسلامي فحفظه يصبح واجباً وهذا ليس تحولاً فلسفياً بل وجوب حفظ الوسيلة لحفظ الغاية كحفاظ السد على المدينة من الغرق .