الاثنين - 31 اغسطس 2026

مشروع طريق التنمية العراقي… قراءة علمية في دحض الشبهات ورد الأشكالات الفنية والأقتصادية..!

منذ ساعتين
الاثنين - 31 اغسطس 2026

المهندس يونس الكعبي
30 آب 2026

 

 

 

يمثل مشروع طريق التنمية أحد أهم المشاريع الأستراتيجية والجيوأقتصادية في منطقة الشرق الأوسط ، أذ يهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير على الخليج في أقصى جنوب العراق بالحدود التركية في فيشخابور وصولاََ الى أوربا ، عبر شبكة متكاملة من السكك الحديد المزدوجة والسريعة والطرق البرية السريعة الذكية لنقل البضائع والمسافرين. ورغم الأهمية الجوهرية لهذا المشروع في تحويل العراق إلى نقطة ترانزيت عالمية ، تُثار بين الحين والآخر إشكالات وتساؤلات مشككة. يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الأشكالات والشبهات بأسلوب علمي يستند إلى الأرقام والحقائق الفنية والهندسية.

أولاََ: التشكيك في دراسة الجدوى الفنية والأقتصادية.
الأشكال: الأدعاء بعدم دقة أو جدية دراسات الجدوى التي أعدتها الشركة الأيطالية الأستشارية (Progetti Europa e Global – PEG).
الرد العلمي:
أعتمدت الدولة العراقية على أستشاري عالمي رصين ، حيث أعدّت شركة PEG الأيطالية دراسات جدوى أولية ونهائية معززة بمسوحات طوبوغرافية ، وجيوتقنية ، ودراسات لحركة المرور (Traffic Demand Forcast) وفق المعايير العالمية المعتمدة لدى البنك الدولي (WB) والأتحاد الدولي للسكك الحديد (UIC).
تقدر الكلفة الأجمالية للمشروع في دراسة الجدوى بنحو 17 مليار دولار (10.5 مليار دولار للسكك الحديد و 6.5 مليار دولار للطريق السريع) ، تم تعديل هذه الكلفة النهائية بضوء أسعار السوق لتبلغ 13.9 مليار دولار للسكك الحديد و 7.8 مليار دولار للطريق البري السريع ، بكلفة أجمالية للمشروع بحدود 21.7 مليار دولار أمريكي.
الأيرادات المتوقعة التي يحققها المشروع بأيرادات سنوية تبلغ 4 مليارات عند أكتمال المراحل التشغيلية الكلية (يشمل إيراداته الميناء والسكك والطريق البري). مع خلق أكثر من 100,000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
يوفر الطريق مسافة زمنية لنقل البضائع بين آسيا وأوربا بحوالي 10 إلى 15 يوماََ مقارنة بالمسارات البحرية عبر قناة السويس ومضيق باب المندب ، مما يقلل تكاليف الشحن التشغيلية والأنبعاثات الكربونية بشكل ملحوظ.

ثانياََ: أختيار المسارات الصحراوية بدلاََ من المرور بمراكز المدن الحالية.
الإشكال: التساؤل عن سبب تجنب المرور المباشر بمراكز المدن المأهولة ومراكز المحافظات.
الرد العلمي والهندسي:
معايير السرعة والتصميم (Geometric Design): صُممت خطوط السكك الحديد في طريق التنمية لسرعات تصل إلى 300 كم/ساعة لقطارات و 130 – 140 كم/ ساعة لقطارات البضائع. السير بهذه السرعات يتطلب منحنيات واسعة (Large Radius Curves) وأستقامة عالية ، وهو ما يستحيل تحقيقه داخل مراكز المدن المكتظة.
المرور في مراكز المدن يتطلب نزع ملكية آلاف العقارات والأراضي وأستملاك واسع للأبنية والمنشات العامة والخاصة مما يرفع الكلفة المادية للمشروع إلى أضعاف مضاعفة ويؤدي إلى تأخيرات قانونية وأشكالات أجتماعية متعددة نتيجة التركيبة السكانية المختلفة للمناطق التي يمر بها خط السكة الحديد.
ولغرض الحد من التلوث البيئي والضوضاء ، عمدت الشركة المصممة إلى عزل فضائي للمسارات السريعة عن المناطق السكنية ، ناهيك عن المخاطر الأمنية والحوادث المرورية التي تقع على تقاطعات الطرق مع السكك الحديد.
يهدف المسار الصحراوي المقترح والمحاذي للمدن إلى التوسع العمراني وأنشاء مدن جديدة في المناطق غير المأهولة لتخفيف الضغط السكاني الحالي على مراكز المدن والقصبات ، وتأسيس مدن صناعية ومناطق لوجستية جديدة (Logistic Hubs) تفك الأختناق عن مراكز المدن الحالية وتوجد فرص عمل للسكان العاطلين الساكنين في هذه المدن خصوصا مدن وسط وجنوب العراق التي تعاني من نسب بطالة وفقر عاليين . وهذا بمجموعه يعني خلق فرص تنموية جديدة وبيئة أستثمارية خصبة جداََ.

ثالثاََ: أمكانية تزويد القطارات بالكهرباء في ظل أزمة الطاقة.
الأشكال: عدم قدرة المنظومة الكهربائية الحالية في العراق على تزويد قطارات طريق التنمية بالطاقة الكهربائية اللازمة للتشغيل.
الرد العلمي:
لن تُحمل السكك الحديد على الشبكة الوطنية العامة المخصصة للأستهلاك التجاري والسكني ، هناك عدة حلول تم مناقشتها مع وزارة الكهرباء ، فبحلول عام 2030 تكون وزارة الكهرباء قد أنجزت مشاريعها الكبرى وتستطيع تزويد الشبكة بالكهرباء ، ويمكن أستيراد الكهرباء من تركيا لبعض المقاطع بأستخدام شبكة الكهرباء الخاصة بطريق التنمية التي ستكون مربوطة مع تركيا وأوربا ، فضلاََ عن تصميم المحطات والمراكز اللوجستية للعمل بالطاقة الشمسية وهناك نماذج معمارية مقترحة من قبل الشركة المصممة ، وآخر الخيارات هو تصميم وتنفيذ محطات توليد خاصة بطريق التنمية ( تعتمد على الطاقة الشمسية والغاز المصاحب) حيث أن المساحات الصحراوية تسمح بنصب محطات الطاقة الشمسية ووجود خط الغاز المصاحب لطريق التنمية يوفر الوقود اللازم لتشغيل هذه المحطات.
الحسابات الفنية للأحمال الكهربائية: تحتاج السكك الحديد في طريق التنمية إلى طاقة كهربائية تقدر ب(25KV بتقنية AC 50 Hz) وهي المواصفة القياسية الأوربية (TSI).
الطاقة الكلية الأجمالية المباشرة اللازمة لتشغيل القطارات على طول 1200 كم تتراوح بين (300 – 500 ميكاواط) وهي قدرة ضئيلة نسبياََ مقارنة بأجمالي القدرة التوليدية المستهدفة مستقبلاََ في العراق.
السحب الكهربائي للقطارات (Electric Traction) يعطي أستدامة وكفاءة عالية لتشغيل القطارات ، ويقلل تكاليف الصيانة التشغيلية بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بمحركات الديزل ، فضلاََ عن رفع كفاءة التسارع والقدرة على سحب الأوزان الثقيلة.

رابعاََ: أدعاء أن تركيا لا تمتلك خطوط سكك حديد كهربائية.
الأشكال: الأدعاء بأن الربط مع تركيا غير مجدي لأن شبكة السكك الحديد التركية لا تعمل بالكهرباء.
الرد بالحقائق والأرقام:
واقع السكك الحديد التركية (TCDD): تتجاوز نسبة خطوط السكك الحديد المكهربة في تركيا 50% من أجمالي الشبكة الكلية (أكثر من 7,000 كم مكهرب حالياََ) ، وتستهدف تركيا كهربة 80% من شبكتها السككية ضمن خطة 2029 – 2035.
تمتلك تركيا شبكة قطارات سريعة مكهربة بالفعل بالكامل ، تربط أنقرة بأسطنبول ، وقونية ، وسيواس ، وتتوسع بأتجاه الحدود الجنوبية والشرقية (مثل خط مرسين – أضنة – غازي عنتاب) ، ويحتاج الربط من فيشخابور إلى مدينة نصيبين بحدود 123 كم خط جديد ، ومن مدينة نصيبين التركية إلى مدينة غازي عنتاب بحدود 400 كم سكك حديد تعمل بالديزل يتطلب كهربتها ، ومن غازي عنتاب إلى الحدود البلغارية والرومانية فهي مكهربة بالكامل ويجري تطويرها ومن هناك متصلة بالشبكة الأوربية والتي بدورها مكهربة بالكامل.
جرى أختيار نظام تشغيل القطارات العراقية بالكهرباء بالتوافق التام مع المواصفات الفنية لشبكة السكك الحديد التركية والأوربية ، وبعد أجتماعات فنية متواصلة مع السكك التركية على مدى عامين في أنقرة وبغداد لتوحيد المواصفات الفنية ونظام التشغيل ليكون حسب المواصفة الأوربية ومعايير الأتحاد الدولي للسكك UIC. ولضمان الحركة المباشرة للقطارات من ميناء الفاو إلى وجهاتها في تركيا أو أوربا دون الحاجة إلى تغيير القاطرات عند الحدود.

خامساََ: لماذا لا يتم الأكتفاء بتأهيل الخطوط الحالية وتوصيلها بميناء الفاو؟
الأشكال: إمكانية الأكتفاء بتحديث الشبكة القديمة للسكك بدلاََ من بناء مشروع جديد بالكامل:
الرد الهندسي واللوجستي:
* أختلاف القياسات والتصميم الفني: حيث أن الخطوط الحالية هي خطوط مفردة (Single Truck) وقديمة ذات حمولات محورية منخفضة لا تتجاوز 18 – 20 طن/محور ، وبسرعات لا تتجاوز 100 كم/ساعة. طريق التنمية يعتمد سكة مزدوجة (Double Track) بحمولة محورية تصل إلى 25 طن/محور لقطارات البضائع ، مما يسمح بنقل حاويات مزدوجة (Double – Stack Containers) وتدفق مستمر للقطارات دون توقف للأنتظار أو التعابر الذي يزيد من زمن الرحلة وهو العامل المهم في ميزة طريق التنمية عن باقي المشاريع المنافسة في المنطقة.
* الطاقة الأستيعابية: الشبكة القديمة لا تستوعب أكثر من (5 – 10 مليون طن سنوياََ) ، بينما صممت طاقة طريق التنمية لنقل 3.5 مليون حاوية قياسية (TEU)/سنة و 22 مليون طن/سنة من البضائع الفل أو السائبة في مرحلته الأولى ، لتصل الطاقة إلى 10 مليون حاوية قياسية (TEU)/سنة و 33 مليون طن/سنة بضائع فل أو سائبة في المرحلة النهائية عام 2050.

سادساََ: التشكيك في قدرة الدولة على التمويل والتشغيل.
الأشكال: قدرة الميزانية العراقية والكوادر الوطنية على تحمل تكاليف وأدارة مشروع بهذا الحجم.
الرد الهيكلي والمالي:
* نماذج الشراكة والأستثمار (PPP & DBFM): لن يعتمد بالكامل على التمويل الحكومي المباشر من الموازنة التشغيلية. التوجه القائم يعتمد نمط الشراكة بين القطاعين العام والخاص (Puplic -Private Partnership) ، ونموذج التنفيذ والتشغيل والأدارة (BOT/DBFM) ، إلى جانب دخول التحالفات الدولية والصناديق السيادية الاستثمارية ( مثل الدول المساهمة في مذكرة التفاهم الرباعية تركيا ، قطر ، والإمارات العربية المتحدة) ، أضافة إلى القروض المقدمة من البنك الدولي أو الصندوق العراقي الصيني (سيناشور).
* الأدارة والتشغيل الفني: سيوكل تشغيل وأدارة المشروع بكافة مرافقه ( الميناء والسكك والطريق البري) إلى مشغلين عالميين متخصصين (Global Operators) لضمان الكفاءة التشغيلية ونقل التكنولوجيا الحديثة وتدريب الكوادر العراقية ، وكذلك للحصول على ثقة كبار الناقلين وشركات الشحن العالمية لسلوك هذا الممر الأقتصادي كونه يدار من شركات مشغلة عالمية رصينة وموثوق بها.

أن مشروع طريق التنمية يمثل نقلة نوعية من الأقتصاد الأحادي والريعي الذي يعتمد على واردات بيع النفط الخام إلى أقتصاد متعدد الموارد قائم على الخدمات اللوجستية والتجارة الدولية وتنشيط قطاع الصناعة المحلية وتوطين الصناعات. الردود الهندسية تؤكد أن الخيارات التصميمية والمالية للمشروع أستندت إلى رؤى علمية دقيقة ودراسات موسعة وجدية مستندة إلى بيانات حكومية من مصادر رصينة في الدولة العراقية ، تهدف جميعها إلى أستدامة المشروع وخلق فرص حقيقية لنجاحه وربط العراق بالمنظومة الأقتصادية العالمية على أسس صلبة.