الاثنين - 31 اغسطس 2026

من اغتيال المرشد إلى علي الطاهر… وما بينهما. ( الحلقة ٩)..!

منذ ساعتين
الاثنين - 31 اغسطس 2026

 أمين السكافي ||

 

 

 

في 28 شباط 2026، لم تكن المنطقة تعرف أنها على موعد مع لحظة ستغيّر قواعد اللعبة. فقد بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران بضربة استهدفت رأس النظام الإيراني، وانتهت باغتيال المرشد علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار قادة المؤسسة العسكرية والأمنية والعلمية. لم يكن اغتيال المرشد مجرد عملية عسكرية، بل كان محاولة لضرب مركز القرار في الجمهورية الإسلامية وإحداث صدمة داخل النظام نفسه. لكن الصدمة لم تُسقط النظام، بل فتحت أبواباً لحرب سرعان ما خرجت من الجغرافيا الإيرانية إلى الإقليم كله.

بعد يومين فقط، في 2 آذار، أطلق حزب الله ستة صواريخ باتجاه إسرائيل. وكان ذلك القرار نقطة التحول اللبنانية الأخطر منذ حرب 2024. الحزب قال إن الرد جاء على اغتيال المرشد، وعلى أكثر من خمسة عشر شهراً من الاعتداءات الإسرائيلية والاغتيالات والقصف والتدمير في لبنان.

لكن اللبنانيين انقسموا منذ اللحظة الأولى. فريق رأى في الصواريخ الستة رداً دفاعياً بعد أن بقيت إسرائيل، طوال أشهر، تضرب وتغتال وتدمر من دون أن يتوقف لبنان عن دفع الثمن. وفريق آخر رأى فيها قراراً إيرانياً بامتياز، أي حرباً دخلها لبنان انتقاماً للمرشد وإسناداً لإيران، لا دفاعاً عن الأراضي اللبنانية.

وبين الروايتين اندلعت حرب لم تكن ستة صواريخها سوى شرارتها الأولى.

تحولت إيران إلى قلب المعركة، وانضم الحوثيون في اليمن، ودخل لبنان مجدداً في مواجهة واسعة مع إسرائيل، بينما أصبحت القواعد والمنشآت والقوات الأميركية في الخليج جزءاً من بنك الأهداف والضغط المتبادل. والأخطر أن مضيق هرمز دخل اللعبة مباشرة، ثم برز باب المندب والبحر الأحمر كمساحة أخرى قابلة للاشتعال. ولم تعد الحرب قضية شرق أوسطية فقط؛ فقد ارتفعت مخاطر الطاقة والنقل والتأمين والغذاء عالمياً، وأصبح أمن الملاحة أحد مفاتيح التسوية.

وبعد 109 أيام من الحرب، بدأ المسار الدبلوماسي يأخذ مكانه. لعبت إسلام آباد دوراً مركزياً، وولد في 17 حزيران ما عُرف بـ«مذكرة تفاهم إسلام آباد» بين واشنطن وطهران، نصت على وقف العمليات العسكرية وفتح مسار تفاوضي لمدة ستين يوماً، وعلى ترتيبات للملاحة في هرمز. وكانت باكستان وسيطاً وشاهداً، ثم انضمت قطر إلى مسار الوساطة.

انتقلت المفاوضات بعد ذلك إلى بورغنشتوك في سويسرا، حيث دخل الأميركيون والإيرانيون في مفاوضات شاقة حول الملف النووي والعقوبات والضمانات والملاحة، مع مسار خاص لمنع عودة القتال في لبنان. لكن الستين يوماً لم تتحول إلى سلام نهائي، بل إلى هدنة هشة ومسار تفاوضي مفتوح؛ بل إن طهران رفضت لاحقاً اعتبار الستين يوماً مهلة نهائية ملزمة.

وهنا ظهر السؤال اللبناني.

فالترتيب الإقليمي الجديد لم يعجب الجميع. إسرائيل لم تكن مستعدة لأن يكون الملف اللبناني مجرد ملحق في التسوية الأميركية–الإيرانية، وواشنطن أرادت نقل لبنان من دائرة النفوذ الإيراني إلى مسار تفاوضي تكون فيه الدولة اللبنانية هي الطرف المباشر. ومن هنا جاءت المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية أميركية: بدأت في واشنطن، ثم انتقلت إلى روما، وتحوّل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ونزع سلاح حزب الله إلى ملفين متلازمين. وحتى 5 آب كانت المفاوضات قد عقدت سبع جولات، فيما بقي الخلاف الأساسي حول السلاح والانسحاب الإسرائيلي قائماً.

في الداخل اللبناني كان المشهد أكثر تعقيداً. انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة، وضعا الدولة أمام استحقاق استعادة قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية. وفي 2 آذار، بعد إطلاق الصواريخ، أعلنت الحكومة حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله، مؤكدة أن قرار الحرب والسلم يعود إلى الدولة وحدها.

لكن هذا المسار اصطدم بوقائع الجنوب.

فإسرائيل احتلت شريطاً بعمق يقارب سبعة كيلومترات في بعض المناطق، ودُمّرت كلياً أو جزئياً أكثر من ستين بلدة وقرية، وبقي عشرات آلاف الجنوبيين عاجزين عن العودة. وفي 15 آب وحده قُتل أحد عشر شخصاً في أنصار ودير الزهراني، في أخطر خرق للتهدئة منذ حزيران.

ومن هنا وصلنا إلى علي الطاهر.

ليست علي الطاهر قرية ولا منشأة بالمعنى التقليدي، بل مرتفعات استراتيجية جنوب النبطية، شمال نهر الليطاني، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، بارتفاع يقارب 600 متر. موقعها يمنحها إشرافاً واسعاً على النبطية وإقليم التفاح ووادي الليطاني ومحيطها، ولذلك احتفظت بأهميتها العسكرية منذ مراحل سابقة من الصراع، وكانت إسرائيل قد تمركزت فيها خلال فترة احتلال الجنوب قبل الانسحاب عام 2000.

لكن أهمية علي الطاهر اليوم ليست في الجبل وحده، بل في ما يُقال إنه موجود تحته.

تتحدث المصادر الإسرائيلية واللبنانية عن شبكة أنفاق ومنشأة عسكرية تحت الأرض، يُعتقد أنها تضم مركز قيادة واتصال ومخازن أسلحة، فيما تشير تقارير إلى ارتباطها بوحدة بدر. وتقول تقديرات إسرائيلية إن المنشأة بُنيت على مدى نحو عشرين عاماً بمساعدة إيرانية. أما الأرقام المتعلقة بالأسلحة وحجم المخزون فهي غير معلنة بصورة موثوقة، ولا توجد حتى الآن جردة مستقلة يمكن اعتمادها كحقيقة.

أما عدد الموجودين في الداخل، فتتراوح التقديرات المتداولة بين نحو 20 و40 مقاتلاً من حزب الله، مع تقارير إسرائيلية تتحدث أيضاً عن وجود عناصر أو مستشارين من الحرس الثوري الإيراني؛ وهي معلومات تبقى تقديرات عسكرية وليست حقائق مثبتة بصورة مستقلة.

ولهذا أصبحت علي الطاهر عقدة تتجاوز حجمها الجغرافي. إسرائيل تقول إن الموقع يمثل مركزاً عسكرياً يجب تفكيكه، وقد حاصرته وحاولت التقدم إليه واستخدمت القصف والاستطلاع والعمليات البرية المحدودة، بينما نفى حزب الله في حزيران أن تكون إسرائيل قد سيطرت على المنشأة تحت الأرض.

أما الاقتراح اللبناني–الأميركي، فيدور حول أن يتولى الجيش اللبناني الموقع، بما يسمح لإسرائيل بالانسحاب ويمنع تحويل المرتفعات إلى ذريعة لحرب جديدة. لكن المشكلة أن حزب الله يخشى أن يصبح تسليم المنشأة للجيش مقدمة لوصول إسرائيل إليها لاحقاً، فيما ترى إسرائيل أن مجرد وجود بنية عسكرية للحزب فيها يبقي التهديد قائماً. وقد جعل هذا الملف علي الطاهر إحدى عقد مفاوضات روما.

وهكذا، من اغتيال المرشد في طهران إلى أنفاق علي الطاهر في النبطية، تبدو المسافة الجغرافية هائلة، لكن الخيط السياسي واحد: هل تنتهي الحرب عندما تتوقف الصواريخ، أم عندما تتغير قواعد القوة التي صنعت الحرب؟

إيران تريد ضماناً بألا تعود الحرب إليها من جديد. إسرائيل تريد بيئة أمنية خالية من حزب الله جنوباً. أميركا تريد أن تكون الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار. وحزب الله يريد الاحتفاظ بما يعتبره ضمانة دفاعية في مواجهة إسرائيل.

أما لبنان، الذي دفع ثمن الحرب مرتين، فيجد نفسه أمام السؤال الأصعب: هل يستطيع أن يستعيد أرضه وسيادته وسلاحه وقرار الحرب والسلم معاً، أم أن علي الطاهر ستكون مجرد اسم جديد في سلسلة طويلة من المواقع التي يتقرر مصير لبنان حولها… ولا داخله ؟