حين ينفصل الكلام عن الفعل..!
طه حسن الأركوازي ||

ليست المُشكلة في كُثرة الكلام عن القيم ، ولا في رفع الشعارات الوطنية أو الأخلاقية ، وإنما في المسافة التي تفصل بين ما نقوله وما نفعله ، فالقيمة الحقيقية لأي خطاب لا تُقاس بجمال عباراته ، بل بقُدرته على التحول إلى سلوك ومُمارسة وقرار .
قد يتحدث الإنسان طويلاً عن الأمانة ، ثم لا يلتزم بها عندما تتعارض مع مصلحته .
وقد يرفع شعار العدالة ، لكنه يتعامل معها بمعايير مُختلفة عندما يتعلق الأمر بمن يختلف معه .
وقد يتحدث عن خدمة الناس ، ثم يتحول المنصب بالنسبة إليه إلى وسيلة للنفوذ والمكاسب .
هنا تبدأ المُشكلة الحقيقية ، عندما يصبح الخطاب واجهة ، بينما تتحرك المُمارسة في أتجاه آخر .
وهذه الازدواجية لا تقتصر على الأفراد ، بل يُمكن أن تتحول إلى ظاهرة عامة عندما تجد بيئة سياسية وإجتماعية تسمح لها بالاستمرار فالمُجتمعات لا تتأثر بالكلمات وحدها ، وإنما بما تراه من سلوك مُتكرر أمامها .
وعندما يكتشف المواطن أن بعض الشعارات لا تتطابق مع الواقع فإنه لا يفقد ثقته بالأشخاص فقط ، بل يبدأ تدريجياً بفقدان ثقته بالقيم نفسها .
ومن هنا تبدو خطورة المرحلة التي يمر بها العراق ، فالأزمة ليست دائماً في غياب القوانين أو كثرة المُؤسسات ، وإنما في الفجوة بين النص والمُمارسة ، وبين المسؤولية والمنصب ، وبين الحديث عن الإصلاح والقُدرة على تطبيقه .
فالدولة التي تتحدث عن مُكافحة الفساد تحتاج قبل كُل شيء إلى منظومة تمنع تضارب المصالح وتحمي المال العام وتفرض المُحاسبة على الجميع دون أستثناء .
والدولة التي تتحدث عن العدالة تحتاج إلى قانون لا يتغير بتغير الأسماء والمواقع وموازين القوة .
إن بناء الدولة لا يحتاج إلى خطابات أكثر ، بقدر ما يحتاج إلى أفعال أكثر ، فالمواطن لا يُريد أن يسمع كُل يوم عن الإصلاح ، بقدر ما يريد أن يرى مُؤسسة تعمل ، وقانوناً يُطبق ، وخدمةً تصل ، ومالاً عاماً يُحمى ، ومسؤولاً يُحاسب عندما يُخطئ ، وقد أثبتت تجارب دول خرجت من حروب وأنهيارات قاسية .
أن أستعادة الدولة لم تبدأ من الشعارات ، وإنما من إعادة بناء الثقة بين المواطن والمُؤسسة ، بدأت عندما أصبحت الكفاءة معياراً للمسؤولية ، والمحاسبة جُزءاً من النظام ، والقانون مرجعاً لا يخضع للمُساومة ، وأصبح النجاح يُقاس بما يتحقق على الأرض لا بما يُقال أمام الكاميرات .
والعراق يمتلك من الموارد البشرية والمادية والتاريخية ما يؤهله للنهوض ، لكن النهوض لا يتحقق بمُجرد أمتلاك الإمكانات ، فالثروة من دون إدارة رشيدة قد تتحول إلى مصدر للصراع ، والسُلطة من دون رقابة قد تتحول إلى أمتياز ، والشعارات من دون مُمارسة قد تتحول إلى وسيلة لتجميل الواقع بدلاً من إصلاحه ، لذلك فإن مسؤولية الطبقة السياسية والحكومة اليوم تتجاوز إدارة الأزمات اليومية إلى إعادة بناء منظومة الثقة .
وهذه تبدأ بإبعاد الوظيفة العامة عن الولاءات الفرعية ، وربط المسؤولية بالكفاءة ، وتعزيز أستقلال المُؤسسات الرقابية والقضائية ، وتطبيق القانون بمعيار واحد ، وتجفيف منابع الفساد الإداري والمالي ، وإعلان نتائج الإصلاح للرأي العام بشفافية ، حتى يصبح المواطن شريكاً في مراقبة الدولة لا مجرد متلقٍ لخطاباتها .
أخيراً وليس آخراً .. العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تصف ما يجب أن يكون ، وإنما إلى قرارات تُثبت أن ما يُقال يُمكن أن يتحول إلى واقع ، فحين يتطابق الكلام مع الفعل ، تتحول القيم إلى دولة ، وحين ينفصل الكلام عن الفعل ، تتحول حتى أجمل الشعارات إلى مُجرد غطاء لعجزٍ لا يريد أحد الاعتراف به …!




